رُؤيَة رُوائيٍّ عِراقيٍّ في هولَندا
    

أمين ظافر الغريب

 

رُؤيَة  رُوائيٍّ عِراقيٍّ في هولَندا

-----------------------------

 

“محمد حياوي” صَدَرَت روايتهُ الأُولى عام 1983 في العراق، ثم مجموعته القصَصيَّة الأُولى “غرفةٌ مُضاءةٌ لفاطِمة” عام 1986 (مُنِعَت مِنَ النَّشر)، والثانية “طوافٌ مُتّصل” عام 1989، و“ثغورُ الماءِ”.

غادرَ العِراق إلى الأردن ومِن ثمّ إلى هولندا عام 1996، وأصدر مجموعة قصَصيَّة واحدة هي “نصوصُ المُرقاة” عام 1996م باللُّغةِ الهولنديَّة. روايته “خانُ الشّابندر” تناولَت فئة البغايا في جوٍّ مِنَ الخيال، مُعبِّرَة عن حنين المُهاجر لوطنهِ الذي غيَّرَت ملامحه الحروب، حاولَ الانتصار للذاكرة المُدَماة التي افترشها العنف البشع، وبيت “أم صبيح” الذي اكتشفَ فيه رجولته لأوَّل مَرَّةٍ قبل عقود من الزَّمَن، لم يجده، كما لم يجد الفتيات بائعات الهوى اللَّواتي عاملننهُ كفتى غرّ عديم التجربة وسهلنّ مَهمته وفتحنَ لهُ أبواب جنانهنَّ، آنَ زار المِنطقة القديمة في “الحيدرخانة” في عِراق مابعد فرار عِصابَة البعث ولم يجد البيت، تذكّر، كم كُنَّ جميلات وصادقات وإنسانيات وتلقائيات في سلوكهُنَّ، رُغم المِحَن التي واجهتهُنَّ ونظرة المُجتمع الشَّرقي لَهُنَّ ووقوعهُنَّ تحت التهديد الدّائم بالقتل، ونتيجة لفداحة الخسارة التي شَعَرَ بها حين لم يجدهُنَّ، قرَّرَ إعادتهُنَّ إلى الحياة والانتصار لَهُنَّ وصَقل شخصياتهُنَّ وتقديمهُنَّ على حقيقتهُنَّ الإنسانيَّة التي وَصَفها بالنبيلة التي رأى هُنَّ بها، يقول: “ هل ارتويت أو أنطفأ حيفي؟.. بالتأكيد لا، فمازلتُ أشعُر بأنَّهنَّ جديرات بالكثير مِنَ التخليد وكشف حقائقهُنَّ، ورواية واحدة لا تكفي لِمِثلِ هذا الفِعل مِن وجهة نظري!. في الواقع لم تكن تلكَ المُحاولة هروبًا مِنَ الواقع المُرّ والمُتعفن في العراق الجَّديد، بقدر ما هي مُحاوَلَة لإعادة الخلق، Creation مِنْ نوعٍ ما، لأنَّ الغياب والموت حَدَث يوميّ في العراق وفي بغداد تحديدًا، حتى أنَّ الرّواية قدَّمَت النّاس موتى مُنذ أزمنة سحيقة، لكنَّهم أحياء بشَكلٍ أو بآخر، إنَّهم فِعلاً أرواح أثيريَّة لا تتأثر بالانفجارات ولا الشَّظايا ولا الذبح، كان المعنى القصدي للرُّواية إقامة “يوتوبيا” خاصّة بديلة للواقع المُخرَّب، ينتصر فيها الخيال لأنماط الحياة التي أُحِبُّها في الماضي ولا أُريدُ أن أُصدِّق أنَّها أُتلِفت وتبدَّدَت. الارتقاء بشخصياتهن في الرواية جاء ضمن محاولة مركبة لإعادة مفهوم الفضيلة وإخضاعه للمحاكمة.. فطالما تغنى الناس بمفهوم الفضيلة وعابوا على بائعات الهوى مهنتهن التي أجبرن على ممارستها تحت ضغوط اجتماعية لا إنسانية بحقّهن، وكنت أطمح لطرح السؤال بطريقة مغايرة في الرواية، أيهما أقرب لمفهوم الفضيلة ؟.. رجل الدين الذي يحرّض على العنف والقتل والابتزاز والتخريب، أم بائعة الهوى التي تستقطع جزءاً من مدخولها لدعم “أمّ غايب” المرأة التي تدير بيتًا أو مأوى للأطفال اللقطاء والمشرّدين في الشوارع ؟.. أيهما أقرب للإنسانية ؟.. ففي محصلة بحثي المطوّل والعميق في المجتمعات العربية، لم أجد بائعة هوى تمارس الرذيلة، بالمفهوم الساذج لهذا التوصيف، برغبة ذاتية منّها، أو بدافع الشبق الجنسي والانحراف، بل كنّ في الغالب ضحايا قيم وأعراف ومفاهيم بالية يتحكم بها الرجل نفسه، ولّدت عليهن ضغوطًا لاإنسانية أدت في النهاية لانحرافهن. ومن وجهة نظري، ليس هناك أكثر حنانًا ومشاعر إنسانية من بائعات الهوى، ذلك لأن العوز الذي عانينه لمشاعر الأمومة على سبيل المثال، قد فجّر في دواخلهن تلك النزعة المهولة التي لا يمكن لأي كان اكتشافها من الوهلة الأولى، ما لم يكن ذا دراية وحس إنساني رفيع ونزعة للخير والنبل، وبالنظر للطريقة البشعة التي قُتلنّ بها، أقصد في الرواية، كان لابد من الانتصار لهنّ وتحويلهنّ إلى ملائكة من نور يرفرفنّ حولنا ويقودننا للبهجة والفرح واللذّة المتواصلة، وما أريد أن أقوله هنا هو أنّ من يموت أو يُقتل مظلومًا لابدّ أن يتحوّل إلى ملاك للرحمة، بغض النظر عن ماهيته أو حقيقته التي كان عليها في حياته، والمرأة من وجهة نظري، سواء كانت فاضلة أم بائعة هوى، هي الأقرب إلى الله بعد الأطفال، بالنظر لهشاشتها وطبيعتها المعطاء، كونها مستوعبة للحياة، حين تستوعب الرجل، ومانحة لها حين تلد. في الواقع رواية (خان الشّابندر) رواية مكان بالدرجة الأولى، بل أن جميع رواياتي روايات أمكنة، إن جاز لنا التعبير.. والمكان يلعب عندي دورًا هامًّا وحاسمًا لبناء الحكاية الخيّالية، وأغلب رواياتي وأعمالي القصصية استوحيتها بسبب تأثير مكان ما على مخيّلتي.. في (خان الشّابندر) كان لبناية الخان المهدّم القابع وسط منطقة “الحيدرخانة” القديمة في “رصافة بغداد”، الأثر الكبير على تحفيزي للكتابة، فقد تسنت لي زيارة المبنى، الذي كان في الماضي يعج بالحركة وممارسة التجارة، لاسيما تجارة الفضة التي امتهنها أبناء الديانة “المندائيّة” بالدرجة الأساس. وقد هالني الدمار الذي لحق به وشدّة الإهمال، ومن فرط تأثري جلست على دكّة وسط باحته وكدت أبكي، قبل أن ألمح بيتًا قديماً آيلاً للسقوط يتكئ على بقايا الخان، لاح منه جدار عالٍ تتوسطه نافذّة عليها ستارة زرقاء ذكّرتني ببيت قديم في المنطقة ذاتها كنت زرته أيام مراهقتي، فطلبت من صديقي زيارة هذا البيت، الذي اكتشفنا ثمّة عائلة فقيرة تسكنه، على الرغم من وهنه واحتمال انهياره في أيّة لحظة، وفي ذلك المنزل قمت بتصوير الغرف القديمة والسلّم المتهالك والسطح المفتوح على الخلاء، ومن السطح تمكنت من الحصول على صورة شاملة لخرائب الخان المهدّم من الأعلى، ومن خليط المشاعر الذي انتابني لحظتها وشعوري بالقهر والحيف على مصير الفتيات، تبلورت لدي فكرة الرواية التي أردت لها أن تحمل اسم المكان نفسه، وهي في المفهوم الرمزي معادل موضوعي للعراق الحاضر المهدّم والمدمر والمتبدّد تاريخه والقائم على مفاهيم الثأر والتصفيات ومحاكم التفتيش والردة للقرون الوسطى. وهكذا كان، بعد أنّ صدرت الرواية من دار الآداب العريقة وسط احتفاء واسع، ثم توالت ردود الأفعال الإيجابية حالما وصلت الرواية إلى العراق ومصر وسوريا والخليج، وكُتبت عنها عشرات الدّراسات النقدية والمتابعات والعروض في أغلب الصحف العربية ووسائل الإعلام الأُخرى، حتى أن الباحث “عبّاس داخل حسن”، الذي تصدى لجمع ما كُتب عنها في كتاب نقدي خاص، أسماه (سقوط السَّماء في خان الشّابندر)، لم يستطع استيعاب كل ما كُتب، إذ تجاوز عدد المقالات والدراسات السبعين مقالاً ودراسة في مختلف الدول العربية والخارج، كما كانت محور ندوات عدة في معارض الكتاب، بعد أن حققت أفضل المبيعات في معرض أبوظبي للكتاب للعام الماضي، وهي الآن في طور الترجمة للفرنسية والهولندية والألمانية، بينما ستصدر ترجمتها الفارسية بعد أسابيع قليلة، ومن وجهة نظري، فإن جميع تلك المعطيات قد لا تدلل على أن (خان الشّابندر) رواية كبيرة أو مهمة، إنما بالتأكيد رواية صادقة تصدت لقضية إنسانية شفافة طالما أهملها السرد العربي، وهي حسب الكثير من النقّاد، رواية مكتوبة بلغة سلسة وغير متكلفة وبأسلوب سردي متواصل يحفز القارئ على التواصل مع أحداثها ونهايتها الصادمة حسب رأي الناشر، وهو جل ما كنت أطمح إليه في الواقع، ليس في (خان الشّابندر) وحسب، بل في جميع رواياتي السابقة والجديدة، بما في ذلك روايتي الخامسة (بيت السودان) التي ستصدر الأسبوع المقبل عن دار الآداب أيضًا”.

 

عام 2010م تفرَّغَ للكتابة فصَدَرت لَهُ روايته “سيرَة الفراشَة” إثرَ زيارَته الأُولى إلى العراق العاصِمَة بغداد وبعض المُحافظات عام 2012م لأغراض تقديم دورات تطويريَّة للصَّحافييّن الشباب، كمُدَرّبٍ بدَعمٍ مِنَ الأكاديميَّة الألمانيَّة، واستثمَرَ لياليه الفندقيَّة بالعَمَلِ على حاسوبهِ الشَّخصي. دخلَ الفنّ التشكيلي مِن باب التصميم الجرافيكي، بعد أن درسه في هولندا وتخصَّصَ ونالَ فيه الماجستير، ثم انخراط في العمل الصّحافي في صحيفة “ البرقيَّة (Telegraph)” الهولنديَّة لأكثر من 12 عام.

 

 

 
 
 
 
 
 

 

 

 

النّاشِطَة النسويَّة الإيرانيَّة “ندى أمين”، حظر نشر كتابها، أوصَلَها إلى إسرائيل عبر تركيا التي استضافتها لِثلاثةِ شهور سنوات، كتبت خِلالِها في موقع إلكتروني عِبري باللُّغة الفارسِيَّة، بأنَّ السُّلطات الإيرانيَّة تُلاحِقها وأنَّها تلقت في الأسابيع الأخيرة، تهديدات مِنَ المُخابَرات الإيرانيَّة، وجرى التحقيق معها في تركيا بشبهة التجسُّس لصالح إسرائيل وسبق أن أعلنت أنقرة عن نيتها الاستجابة لطلب السُّلطات الإيرانيَّة بتسليمها رُغم أنَّ حُكم بالإعدام ينتظرها. وكان قبل أيّام استجاب وزير الدّاخلية الإسرائيلي آرييه درعي لتوجهات نقابة الصّحافييّن بالسَّماح لها بدخول إسرائيل بتأشيرةِ سائِحَة. وعلل درعي قراره بالقول إن ندى أمين صحافيَّة مُهَدَّدَة بالموت حال سلَّمَتها تركيا لإيران و«لذلك قرَّرَت الاستجابة فوراً لِطَلَب نقابة الصَّحافة الإسرائيلية». وسَبَقَ أنْ خاضت أمين معركة قضائيَّة للحيلولة دون ترحيلها إلى الجُّمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة وبحثت عن دُولٍ أُخرى قد توافق على استقبالها كلاجئة، فبادرت القنصليَّة الإسرائيليَّة في اسطنبول لاقتناء تذكرة سَفر للصّحافيَّة «ندى أمين» أتاحت لها السَّفر والهبوط في مَطار اللِّد الدُّولي أمس حيث كان باستقبالها مُحرر صحيفة «يسرائيل تايمز» التي تعمل فيها كمُدوّنة. كما استقبلها وزير داخليَّة إسرائيل على طريقته حيث كتب في تغريدَة في twitter: «أهلا وسَهلا بكِ في إسرائيل»، ذكّرَنا بلُعبة تدميرية تواترت بأحداث الفيلم الإيطالي «غرباء تماماً Perfect Strangers» (90 دقيقة في مكان واحِد، إنتاج العام الفارط إخراج باولو جينوفيزي).

محرر الموقع : 2017 - 08 - 11
التعليقات لا تعبر بالضرورة عن رأي ادارة الموقع
نهيب بقراء صفحتنا الالتزام بادب الحوار والرد والابتعاد عن استخدام الالفاظ والكلمات التي من شأنها الاساءة الى الاخرين وبخلافه سيتم حذف العبارة.