تاريخ الشورى ودلالتها الاجتماعية والدينية
    

حكمت البخاتي/مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث

 

مقدمة

يتفق أغلب الكتّاب ذوي التوجهات الإسلامية بأن الشورى من مبادئ نظام الحكم في الإسلام، وأنها من قواعد الشريعة. وقد وجدت هذه الفكرة لها اهتماما كبيرا في الكتابات الإسلامية منذ مطلع القرن العشرين لاسيما مع جيل المصلحين من مدرسة جمال الدين الافغاني، وهي لحظة تأسيسية مهمة للتداول الاسلامي لفكرة الشورى في العصر الحديث.

 وتظل آثار اللقاء السياسي والثقافي بين العرب والشرق الإسلامي وهو اللقاء الذي بلغ ذروته في الجدل الاستشراقي– الإسلامي بعد منتصف القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وكان حاضرا بقوة في انتاج وتحرير فكرة الشورى الإسلامية السياسية في مواجهة فكرة الديمقراطية الغربية والعلمانية، وبذلك هي تدخل في نطاق الصراع بين الديني والعلماني في مجتمعنا الذي كان انفتاحه على الغرب في القرن العشرين انفتاحا اضطراريا وحتميا تاريخيا.

 وقد ظلت الكتابات الإسلامية في الشورى بازدياد وإنتاج كبيرين لكنها ظلت تهيمن عليها لحظة ذلك اللقاء التاريخي بين الغرب العلماني والشرق الإسلامي، ومفاجأة الديمقراطية لقيمنا التي ارادت هذه الكتابات استيعابها من خلال فكرة الشورى ومن ثمر ترويضها في مجتمعنا، أو أرادت الرد عليها والتصدي لقيمها، ولذلك نجد في تلك الكتابات الإسلامية وعلى مدى القرن العشرين ذلك الجدل الحائر والمقارن بين الديمقراطية والشورى، ولا نكاد نجد طرحا جديدا في تلك الكتابات بعد اتفاق مضامينها وطرائقها في انتاج أفكارها، ولم تكن ذات استدلال فقهي وأصولي مهم أو حقيقي الا في فترة متأخرة وعلى يد فقهاء أرادوا التأصيل للشورى فقهيا واستدلاليا.

وتظل مصادر هذا الكتابات التقليدية غير الفقهية والاصولية هو التأويل الذي مارسه المفسرون المسلمون القدامى في آيات الشورى وأقوال التابعين التي تعد المصدر الثاني، والمصدر الثالث هو ما ورد من أحاديث عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ثم أقوال الصحابة والحكمة العربية القديمة، وقد أضافت بعض هذه الكتابات في مصادرها أقوال الفقهاء القدامى الذين كتبوا في الفقه السياسي – الإسلامي، وتشابه أو وحدة المصادر بالنسبة الى هذه الكتابات في الشورى هي التي تقود الى وحدة الأفكار والمضامين السياسية في هذه الكتابات التي اتسمت أخيرا بالتقليدية والتماثل الضمني في موضوعاتها.

واذا كان المورد الأول الذي اهتم به المفسرون القدامى في الشورى هو آيتين من كتاب الله تعالى وهما قوله (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) آل عمران آية 159 – وقوله تعالى (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم) الشورى آية 38 – فان الكتاب الإسلاميين أضافوا الى هاتين الآيتين الاثنين في مورد الشورى آيات المشورة في الرضاع والفصال وآيات الاستئذان وآيات الاستنباط والاجتهاد، وما عمله الخلفاء من تطبيقات في الشورى لاسيما الخليفة الثاني عمر بن الخطاب من أجل دعم مشروعية الشورى في تأسيسات نظام الحكم في الإسلام الذي يطمح اليه هؤلاء الكتاب والسياسيين الإسلاميين (1).

وبالقدر الذي كان يهتم به فقهاء السنة القدامى وكتابهم المعاصرون بالشورى، فان النتاج الشيعي – الامامي قليل في هذا المجال أو يكاد أن يكون معدوما في المبحث الكلامي والفقهي الامامي القديم. وسبب ذلك أن الشيعة – الامامية وغيرهم من بعض فرق الشيعة كانت لا ترى موضعا للشورى في عقيدة ونظام الامامة والعصمة، وجاءت أغلب كتابات الامامية في الشورى لدى المفسرين دون الفقهاء والمتكلمين منهم، وحتى أولئك المفسرين من الامامية لم يصلوا الى تلك القناعة الدينية والكلامية في الشورى في آرائهم الفقهية والكلامية، الا انه في الفترة المتأخرة من عصر الغيبة الكبرى واشتداد الحاجة السياسية الإسلامية الى بلورة أفكار حول نظام الحكم في الإسلام قدّم فقهاء الامامية أفكارهم وتصوراتهم حول الشورى، وبمنحى إمامي يعتمد الاجتهاد الاصولي الذي هيمن على المناخ العلمي الامامي منذ القرن التاسع عشر الميلادي، وتم توجيه موضوع ووظيفة الشورى من خلال أبحاثهم في مجالات لا تمس العقيدة الأولى في الامامة والنص عليها.

وهكذا حظيت الشورى بذلك التركيز الإسلامي بشقيه السني والشيعي – الامامي على مدى القرن العشرين لاسيما في الثلث الأخير منه في ما سمي بعصر الصحوة الإسلامية، وتكون بذلك دخلت تاريخ الفكر الإسلامي في هذا العصر بقوة وأهمية تدعونا الى مراجعة تاريخها ما قبل الإسلامي والإسلامي.

تاريخ الشورى الاجتماعي

يعرف المجتمع وفق ماكيفر بانه نسق مكون من العرف والاجراءات المرسومة، ومن السلطة والمعونة المتبادلة، ومن التجمعات والاقسام وشتى وجوه الضبط لأنواع السلوك، وهو نسق معقد ودائم التغيير. وباختصار من وجهة نظره فان المجتمع هو نسيج العلاقات الاجتماعية وتغييره المستمر لا يدع المجال امام بقائه على حال واحد (2)

ويرهن ماكيفر المجتمع في تعريفه بالعلاقات الاجتماعية، فالمجتمع يوجد في حالة واحدة هي سلوك اجتماعي بين الافراد يعين كل واحد منهم على إدراك الاخر ومعرفته، فالمجتمع نمط متغير من العلاقات الاجتماعية. ورغم انه يعمم هذا التعريف على كل مجتمعات الكائنات الحية الا اننا شذبناه ووظفناه في تعريف المجتمع البشري في هذه الدراسة حصرا.

واما على مستوى تفسير نشأة المجتمع وتفسير العلاقات الناشئة فيه فان النظريات قد اختلفت فيه كثيرا، وذلك الاختلاف سببه هو العمق التاريخي والزمني الذي نشأت فيه هذه المجتمعات او العلاقات فيها لاسيما مع اختفاء المدونات أو عدم وجودها التي تشكل بإمكانها ان وجدت وثائق تاريخية مهمة تفسر تلك الحقبة السحيقة في تاريخ الانسان.

لكن النظام الاجتماعي الذي كانت تصدر عنه المجتمعات في علاقاتها ظل فاعلا ومورّثا في اجيال هذه المجتمعات، رغم انه طرأت عليه تغييرات وتعديلات كثيرة لكنها ظلت تحمل صيغة هذا النظام الاجتماعي وروحه، وهو ما مكن الباحثين والدارسين الاجتماعيين في صياغة تصوراتهم أو نظرياتهم الاجتماعية حول نشأة المجتمعات من جهة، وحول العلاقات السائدة قديما وبعيدا في هذه المجتمعات.

 وقد كانت النظرية العضوية في تفسير المجتمع وعلاقاته ونظرية العقد الاجتماعي أهم النظريات المؤسسة في علم الاجتماع في ذلك المجال التاريخي – الاجتماعي وتفسير النظم الاجتماعية والسياسية السائدة في ذلك المجال، وقد اسهمت المشاركة الماركسية في التدليل على المجتمعات المشاعية القديمة في توظيف آيديولوجي للنظرية الشيوعية، فأحدث ردة فعل من جانب علماء الاجتماع الغربيين الذين عادوا الى التأكيد على أهمية الفرد ودوره في هذه المجتمعات البدائية وتحدثوا عن الرأسمال الفردي في حياة هذه المجتمعات. فقد كان الفرد يملك من وجهة نظرهم رأسمالا خاصا به هو نوع من الملكية الفردية التي تفند فكرة المشاعية– الماركسية في المجتمعات البدائية، ولا تتعدى أشكال الملكية الفردية مجموعة أدوات يصنعها الفرد تتعلق باستعماله الشخصي مثل المآزر ومحكات الظهر ومايشكل مثلها من امتدادات شخصية للفرد وفق ستانلي.(3)

لكن الابحاث الاجتماعية والعلمية الانثروبولوجية تميل الى تأكيد عنصر المشابهة في هذه المجتمعات وانعدام الاختلافات الحادة أو الوسطى بعد غياب مبدأ الملكية الفردية في هذه النظم الاجتماعية فالإنسان البدائي "الاسود" هو انسان يوجد مقارنة بالإنسان الاوربي "الابيض" الذي هو يملك وفق مقارنة أحد الحكماء البدائيين " الافريقيين " في حديثه الى باحث انثروبولوجي.(4)

لقد أثر غياب الملكية في هذه المجتمعات القديمة ثقافيا وتاريخيا في مفهوم السلطة لدى أفراد وجماعات هذه المجتمعات، فلم تكن السلطة واضحة المعنى أو متسعة الحدود، وكانت المشاركة في صنع القرارات من اختصاص فئات تمثل بشكل عفوي غير انتخابي بقية الافراد، استنتاجا عن ملاحظات الانثروبولوجيين الميدانيين الذين درسوا هذه المجتمعات، وهذه المشاركة في صنع القرارات تعبير عن حالة التضامن التي تعيشها المجتمعات البدائية. فالجماعة البدائية تحس بذلك التضامن الاجتماعي بقوة فطرية وتحس بارتباط غيبي ومصيري بالأرض التي تسكنها وبالتالي لا يمكن فصلها عنها، وهو ما يفسر تضامنها الاجتماعي استنتاجا عن ليفي بريل.(5)

هذه المشاركة في صنع واتخاذ القرارات المتعلقة بالمصير الاجتماعي هي قريبة من المفهوم الديمقراطي الحديث، مما حدا ببعض علماء الاجتماع والانثروبولوجيا الى توصيف المجتمعات البدائية بالمجتمعات الديمقراطية بالمعنى السايكولوجي العميق.(6)

 التي ترتب عليها اجتماعيا وسياسيا تقويض جميع انواع السلطات السياسية والقانونية التي عرفتها المجتمعات المتحضرة وترتب عليها أيضا توزيع القيادة والسلطة في هذه المجتمعات وممارستها بشكل معقول(7)

فقد كان الشيخ العربي في الجاهلية يمارس سلطات محددة عرفيا ولا يتجاوزها الى ما لا يسمح به العرف القبلي في قيادته للقبيلة العربية التي تمنحه صفة الرئيس وصفة الكاهن في بدايات تطورها الاجتماعي، ثم انفصلت سلطة الشيخ عن سلطة الكاهن وكانت وظيفة الكاهن هي الاتصال بالآلهة وتقديم الهدايا والنذور الى الآلهة، اما وظيفة الشيخ العربي فهي الفصل في الحوادث والقتل والثأر والنزاع وخلع الشخص غير المرغوب فيه اجتماعيا من القبيلة، لكن هذا الشيخ لم يكن ليتخذ القرارات أو الاوامر بمعزل عن العشيرة أو بمفرده بل باستشارة شيوخ وذوي السن والخبرة من أفراد القبيلة للاستفادة من رأيهم وكذلك ليضمن ولائهم وطاعتهم.(8)

وقد تحولت هذه الاستشارات الى تقليد سوسيولوجي في الحياة العربية ورسخت في التقاليد السياسية للدول العربية في اليمن قبل الاسلام، فقد كان لكل دولة مجلس استشاري يطلق عليه "مزودا" وقد عرف أعضائه بـ "اسود" السادة وكانت وظيفتهم تقديم الاستشارة الى الملك في القضايا المتعلقة بسياسات ومصير الدولة وشعبها، وقد ورد في الكتابات اليمنية القديمة "مزود منعن" و "مزود المنيع" واحيانا تطلق هذه الكلمة على أعضاء هذه المجالس، وهناك مايعرف لديهم بـ "الطبنن" وهو مجلس كبار الملاكين للأرض والطبن في العربية تدل على الذكي والفطن وهذا المجلس يضم عقلاء القوم والحذاق منهم اضافة الى شرط الثروة والملكية الاقطاعية في الانضمام اليه، وورد أيضا اسم مجلس يقارب الطبن في وظيفته وشروطه ويسمى "المسخن" وهو ينتمي الى دولة سبأ بينما الطبن يعود الى دولة قتبان وتاريخه يعود الى القرن الخامس قبل الميلاد في رأي بعض الباحثين.

 واذا كانت هذه المجالس تعبر عن السلطة الاقتصادية التي تكون محصورة بيد ملّاك الارض فان الحياة السياسية في الدول اليمنية عرفت نوعا آخر من المجالس وكانت تواكب هذه المجالس الخاصة بالأسياد الاقتصاديين وتعرف بـ "عهرو" وتعود الى القرن الثاني قبل الميلاد واعضائها من ذوي الاحساب والانساب في دول اليمن ولا يشترط فيهم ان يكونوا من أصحاب الثروات بل هم طبقة أعيان البلاد، ومجلسهم تعبير عن السلطة الاجتماعية التي تمنحها لهم امتيازات الحسب والنسب والجاه الاجتماعي، ولازلنا نشهد هذه المجالس في النظم الديمقراطية الحديثة وهي مجالس الشيوخ والاعيان، لكن هذه المجالس لايصل اليها الفرد – العضو بحق الانتخاب بل بحق الارث والامتياز على خلاف مجالس الاغريق والرومان، وهناك مجلس آخر يعد الثالث في ترتيبه الاجتماعي والسياسي وهو مجلس "ذا عذر" وأعضائه حصرا على حلفاء القبيلة وجيرانها وممن يرتبط معها بعلاقة المصلحة وليس بعلاقة الدم.(9)

وهو نظام لم تألفه نظم التمثيل السياسي القديمة وتدخل أنظمة المجالس تلك في نظام الشورى المحفوظ في ذاكرة الشعوب اضافة الى نظم الديمقراطية عن المرحلة البدائية في تاريخ المجتمعات البشرية القديمة التي لم تكن تتحدد لديها معالم السلطة فضلا عن غياب نوع السلطة الفردية – الدكتاتورية بالرغم من وجود سلطة الملك القبلي.

 ويصل المؤرخ العراقي د. جواد علي والمتخصص في تاريخ العرب قبل الاسلام الى أن بلاد اليمن ودولها وانظمتها عرفت نظاما تمثيليا وكانت هذه المجالس "المزود" تمثل دورا استشاريا مهما ولعله ملزما للملك وان لم يشر الى ذلك د. جواد علي، لكن مع ظهور مايعرف بالاقيال في تاريخ اليمن القديم ومفردها قيل وهم الملوك المستبدون وقيل هم ملوك حمير وقال ثعلب هم الملوك بغير تخصيص بحمير –لسان العرب، ابن منظور، مادة..قيل - تراجعت مجالس المزود عن دورها واختفت منذ القرن الثالث الميلادي.(10)

واختلفت المصادر العربية في معنى القيل والاقيال لكنها اقترنت بالعظمة الفردية والملكية في الذاكرة العربية. وكان هناك نظاما تمثيليا في دولة لحيان اليمنية فقد كان فيها مجلسا يطلق عليه في اللغة اللحيانية " هجبل " بمعنى " الجبل " وكان يوصف لديهم بـ "العالي الشأن" في اشارة الى أهميته السياسية والاجتماعية ويستدل د. جواد على وظيفة هذا المجلس في صناعة الرأي السياسي بوجود كلمة "برا " أي "برأي" في الكتابات اللحيانية.(11)

وقد وردت اشارات في القرآن الكريم الى هذه المظاهر السياسية والاجتماعية في حياة وتاريخ هذه الامم والدول القديمة وكانت كلمات "النادي" و "الملأ" تعبير عن هذه المظاهر او الظاهرات التاريخية القديمة، فقد وصفت قرية لوط بانها كانت لها نادي يرتكب فيه رجال القرية فاحشتهم وبنفس الوقت كانوا يتشاورن في أمر دعوة لوط والتخطيط للقضاء عليها، وكان لفرعون ملأ من المستشارين يأخذ برأيهم في ما يهم به من عمل لا سيما مع النبي موسى عليه السلام، وكانت بلقيس تستشير ملأها في ما تصنعه مع رسالة النبي سليمان، بل كان سليمان النبي والملك الذي لم يؤتى أحد مثل ملكه يستشير ملأ اعلى في مملكته بما يصنع مع دولة وملكة وصلت اليه اخبارها بانهم كانوا يعبدون غير الله تعالى، بل ان القوم من بني إسرائيل كانوا يناقشون مسالة خاصة جدا وهي كفالة مريم بنت عمران في مجلس تشاوري وديني عالي المستوى في تراتبيتهم الاجتماعية.

 ويشير د جواد الى انه كان في كل مدينة أو قرية في العالم القديم ناد أو مجلس وظيفته التشاور في أعمال وسياسة ومصير شعب هذه القرية والمدينة والسمة الرئيسية في هذه القرى والمدن انها لم تكن دولا وانما كانت تقع على حافات وحدود الدول الكبرى يومذاك.(12) وتمتد على مساحة شاسعة من الصحراء التي كانت تستعصي على الدول والامبراطوريات الكبرى، وكانت القبائل العربية فيها لا تخضع الى نوع محدد من السلطة السياسية بل أن السلطة تبرز في حياتهم وتظهر تبعا للطوارئ وبصيغة مؤقتة في قيادة المواقع والتبني للمسؤوليات الادارية والعسكرية، وهو ما يفرض نوعا من سياسة الشورى وتبادل الآراء في ادارة هذا الحدث الطارئ فلم تكن لديهم سلطة أو حكومة متخصصة في ادارة الشؤون الداخلية ومواجهة الازمات أو الاحداث الطارئة وكانت سلطة الرؤساء القبليين في الصحراء العربية لا تميل الى تقمص دور الحكومة والسلطة السياسية رغم معرفتهم بها والاطلاع عليها في الدول والامارات والامبراطوريات المجاورة، وكانت سلطة هؤلاء الرؤساء القبليين لا تميل الى الاستبداد واخضاع الناس وهو مقوم الدول وسياساتها.

 فالحرية عقيدة الصحراء المقدسة كما يقول لورانس تتضاد وتناقض سياسة الاستبداد أو طبيعة السلطة حتى وان كانت غير مستبدة، فالسلطة في المنظور العربي اسرع الى العطب في العلاقة بالرؤساء القبليين عند العرب من أهل الوبر والبدو، بل ان الحرية في تضاعيفها الاجتماعية وبنيتها الصحراوية صارت عائق العرب في بناء دولهم ومشكلتهم في تطوير حياتهم السياسية والقانونية في العصر الحديث.

ولذلك كانت الشورى هي بديلا سياسيا واجتماعيا عن السلطة عند العرب قبل الاسلام وقبل تكوين دولتهم العربية الاسلامية، ولعلها واحدة من احكام الجاهلية الاجتماعية التي ابقاها الاسلام مثلها مثل الديات التي كان معمولا بها في الجاهلية، وتحدثت الاخبار عن دار كانت تجتمع فيها قريش التي كانت تميل تركيبتها الاجتماعية والسياسية الى مقاربة الدولة في تنظيم القرار لديها في هذه الدار التي أطلقوا عليها "دار الندوة" وكانت تقوم على مبدأ الشورى، فيجتمع أعيان قريش ورؤسائها وينظرون في الأمر الطارئ ويتخذون القرار المناسب، وهذا النظام كان سائدا في المدن القديمة التي ظهرت قبل تأسيس الدول الكبرى والإمبراطوريات العظمى، وهذا كان شأن المدن الإغريقية لاسيما مدينة أثينا التي سنّت وصنعت الديمقراطية في ثقافة الإغريق السياسية. وكانت قريش تشترط في دخول هذه الدار السن والشرف الاجتماعي والذكاء مع صغر السن المشروط في الحضور.(13)

وقد ذكر عنوان المشورة في المصادر التاريخية في الجاهلية وقيل انها كانت في بني أسد وأن قريشا كانت لا تجتمع على أمر حتى يعرضوه على صاحب المشورة، ولم تتضح هوية هذا المنصب هل هو منصب اجتماعي أم منصب ديني ومن وظائف الكهانة(14)

وقد ورد في القرآن الكريم ما يؤكد انتشار ثقافة الشورى في حياة القبائل في المنطقة قبل الاسلام، وذلك بإشارته المستمرة الى ظاهرة الملأ في التراتبية الاجتماعية في النظام القبلي والوظيفة الاساسية المخولة بهم في الشورى، وقد أطلق عليهم في تاريخ الاسلام السياسي والاداري اسم أهل " الحل والعقد " وهو يشكل استمرارا لهذا التراث السياسي في المنطقة في دولة الاسلام وتاريخه السياسي، وورد في مصادر اللغة أن المعنى في "الملأ" هو "التشاور، أو تشاور الجماعة والأشراف في امر ما"(15) وهو تعريف للأشخاص بوظيفتهم أو تغليب الصفة على الموصوفين فان الأصل في الملأ هو جماعة الاشراف والرؤساء ووظيفتهم او الصفة الاجتماعية لهم التشاور لكن غلبت الصفة عليهم فقالوا الملأ هو التشاور.

 وكانت المشورة في حياة العرب جزءا من تاريخهم الثقافي حتى عدّوا في أقوالهم: الخطأ مع الاستشارة أحمد من الاصابة مع الاستبداد.. وأن: من استشار فيما نزل به صديقه واستخار ربه واجتهد رأيه فقد قضى ما عليه وأمن من رجوع الملامة اليه.. وقالوا: ما هلك امرؤ عن مشورة(16) وفي تجربتهم الاجتماعية قرنوا المشورة بالحزم، وكان الحزم لدى العرب يشكل قيمة اجتماعية عليا لاسيما في قرارات مصيرية فقالوا.. قال العتبي لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم فقال: نحن ألف رجل وفينا حازم واحد فنحن نشاوره فكأنا ألف حازم(17) وهناك بعد راسخ في العقلية الاجتماعية العربية في النظر الى العقل بانه لا يستقيم في رأيه وقراراته الا بمشاركة جماعية في صناعته فقد سئل بعض حكمائهم: أي الأمور أشد تأييدا للعقل وأيها أشد إضرار به؟ فقال: أشدّها تأييدا له ثلاثة أشياء: مشاورة العلماء وتجربة الأمور وحسن التثبت وأشدها إضرارا به ثلاثة أشياء: الاستبداد والتهاون والعجلة..وقال حكيم عربي آخر: اذا استبد الرجل برأيه عميت عليه المراشد(18) والاستبداد هنا هو عدم مشاركة الجماعة في صناعة الرأي. وقد نظر العرب الى هذا السلوك المستبد بأنه مخاطرة بالمصير فقالوا: من استغنى برأيه فقد خاطر بنفسه وقالوا: لان تسأل وتسلم خير من أن تستبد وتندم وقالوا: تعوذ من سكرات الاستبداد بصحوات الاستشارة(19) ولازلنا نلحظ لسلوكهم الاستشاري هذا حضورا في بقايا ارثهم القبلي في ايامنا هذه لكن بحدود تنظيمهم القبلي الاجتماعي دون تنظيمهم السياسي سواء دولهم أو أحزابهم.وقد حفظت العرب الشروط في المشورة عن حكمائها في الجاهلية ومنها وصية قس بن ساعدة الايادي وعامر بن الضرب وأكثم بن صيفي(20)، وهي شروط تنم عن الخبرة الشخصية والاجتماعية في الحياة الجاهلية لهؤلاء الحكماء خاصة والعرب عامة.

 ونقل النويري عن العرب أنها كانت " تحمد أراء الشيوخ لتقدمها في السن...ولما مر عليها من التجارب التي عرفت بها عواقب الأمور " وينقل قول علي ابن أبي طالب عليه السلام "رأي الشيخ خير من مشهد الغلام" ونقل قول بعض حكماء العرب "عليك بمشورة من حلب أَشُطر دهره ومرت عليه ضروب خيره وشروره وبلغ من العمر أشدّه وأورت التجربة زنده "، ويبدو أنه لم يكن هناك اجماع على مشورة ذوي السن وكبار القوم عند العرب، فقد وردت اشارات الى تفضيل بعض العرب لمشورة الشباب وقالوا كما نقل النويري " بل رأي الشباب هو الرأي الصائب وفهمهم الفهم الثاقب... وان عقولهم سليمة من العوارض وأذهانهم آخذة بحظ وافر من الغوامض " ونسب النويري القول الى الحكماء في هذا، وهو ما يكشف عن رسوخه ولو جزئيا في ثقافة العرب التقليدية فـ " قالت الحكماء: عليكم بآراء الأحداث ومشورة الشبان فان لهم أذهانا تفُل القواصل– السيف – وتحُطّم الذوابل"(21).

 وكانت العرب تنظر الى الاستبداد في تضاده مع الشورى وتأبى الاستبداد ولا تقبله، لكن النويري ينسب القول بالاستبداد وتفضيله في الرأي الى جزء من ثقافة العرب، لكن الاقوال التي يذكرها وعلى طريقة الحكمة في القول تعود الى حياة العرب بعد قيام دولتهم وظهور امبراطوريتهم وهو ما يؤكد تاريخيا ايمان العرب بالشورى في حياتهم القبلية والتخلي عنها في سياسة دولتهم، فقد ذكر تحت عنوان – ذكر ما قيل في الاستبداد وترك الاستشارة وكراهة الاشارة – قوله " ومن الناس من آثر الاستبداد برأيه وكره أن يستشير " ومنهم عبد الملك بن صالح الذي يقول " ماعزّ سلطان لم يُغنه عقله عن عقول وزرائه وآراء نصحائه، فإياك والمشورة وان ضاقت عليك المذاهب واستبهمت اليك المسالك " ونقل عن ابي جعفر المنصور في أيام دولته وحكمه أنه كان يستشير أهل بيته حتى ذكّره الشاعر ابن هرمة بفضل الراي المستبد بقوله:

يزُرن امرأ لا يصلح القومُ أمره.....ولا يَنتَجي الأدنيين فيما يحاول

وانتجاه: اذا أفضى اليه أمره وخصه به..... وهي المشورة مع الأدنى له

فلما سمعه المنصور استوى جالسا وقال: أصبت والله.. واستعاده... أي استعاد سماع هذا البيت من الشعر لتأثره الكبير به...، وما استشار بعدها(22) ونسب أحد جلساء هارون الرشيد الى نفسه قتل جعفر بن يحيى البرمكي حين ذكّر الرشيد بفضل الاستبداد وأهميته في الملك وكان قد رأى الرشيد يتنفس نفسا منكرا فأنشده:

واستبدّت مرّة واحدة.....انما العاجز من لا يستبد... هكذا في الاصل...(23) فعمد الرشيد بعد سماعه بفضل الاستبداد في الملك الى قتل جعفرا وزيره وصديقه وكان قبل ذلك مترددا في قتله..

ويبدو ان الاستبداد بالرأي قد صار له رواجا بين العرب في أيام دولتهم...فقالوا: وعلى المستبد أن يتروى في رأيه، فكل رأي لم تمخض فيه الفكرة ليلة فهو مولود لغير تمام... ويصنف صاحب " نهاية الأرب في فنون الأدب " شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري المتوفي سنة 732 هـ أولئك المستبدين بانهم من ذوي الرأي فيقول: ومما مُدح به ذوي الرأي...ثم يروي ما قيل من الشعر في مدحهم ومنها بيت في وصف المستبد حيث يقول:

 بديهته وفكرته سواء.....اذا ما نابه الخطب الخطير

وأحزم مايكون الدهر يوما.....اذا عجز المشاور والمشير

ويقول آخر:

كأنه وزمام الدهر في يده.....يرى عواقب ما يأتي وما يذر

 وآخر يقول:

يرى العواقب في أثناء فكرته.....كأن أفكاره بالغيب كهان

ويقول البحتري في سليمان بن عبد الله

كأن آراءه والحزم يتبعها.....تريه كل خفيّ وهو إعلان

ما غاب عن عينه فالقلب يكلؤه.....وإن تنم عينه فالقلب يقظان(24).

وهكذا ترجم شعراء العرب روح الاستبداد في ثقافة الدولة والسلطة العربية وتخلي العرب عن الشورى في السلطة كمبدأ اساسي في تنظيمهم القبلي الاجتماعي القديم، فالسلطة هي من تبعث الاستبداد وتشجعه في ثقافة العرب السياسية والإدارية ولازالت تشكل السلطة أداة ومنتجة للاستبداد في تاريخ العرب الحديث بينما لازلنا نجد غياب الاستبداد وبقاء الشورى في النظام الاجتماعي للعشيرة العربية وهي من ملاحظاتنا الخاصة في نظام العشيرة العربية في العراق.

وكانت الجزيرة العربية لم تألف أي نوع من أنواع السلطات سوى سلطة العرف وتقاليد الآباء، وغياب السلطة فيها جعل قبائلها وأفرادها لا يعرفون معنى الطاعة، فالحرية غير المقننة في الصحراء لأنها حرية البداهة والوجود وهي عقيدة الصحراء المقدسة كما يقول لورنس، نتج عنها لدى العرب ظاهرة تحلل السلطة وغياب الطاعة في ضمير الفرد العربي، وقد كانت الشورى واحدة من بدائل الطاعة في النظام الاجتماعي القبلي العربي الجاهلي التي فرضها نظام تحلل السلطة في حياة العرب، فقد كان الفرد العربي يعمل وفق ما تمليه الشورى الجماعية في القبيلة وليس وفق السلطة الفوقية التي لا يؤمن بها الفرد العربي وتبرير ذلك عنده أن الرأي العام في القبيلة الذي تمثله الشورى تعبير عن الروح القبلية العامة التي يجد فيها هويته وانتمائه الوجودي.

حتى اذا جاء الاسلام وجاءت معه سلطة الوحي تطور لدى الانسان العربي نزوع الطاعة بفعل الايمان الذي دخل الى نفسه بالله ووحيه ونبيه ودينه، وفيه نستدل على قيمة التأثير الذي احدثه الاسلام في حياة أولئك العرب الصحراويين، الذين أصمت قلوبهم الصحراء عن كل نداء، وكانت الطاعة تشكل لهم تحديا وجوديا وثقافيا – تاريخيا فكيف تطيع العرب انسانا فردا وهي طليقة اليد واللسان والسيف ومشيئة العرف هذه فيهم، لكنهم أخيرا جلبوا وجبلوا على الطاعة بلا إكراه وبلا وطأة سيف وعنت ملك أو سلطان لكنها النبوة كما قال العباس بن عبد المطلب لابي سفيان حين قال حسدا لقد أصبح ملك أبن اخيك عظيما فقال له العباس: انها النبوة وليس الملك، ولم يكن للملك طواعية في نفوس العرب في كل تجربتهم التاريخية، ولكن النبوة هي التي غرست في نفوسهم الطاعة أو علمتهم ذلك المنحى الديني في الطاعة، لكنهم كانوا أيضا يفرقون بين طاعة النبوة وطاعة الزعامة وكانوا يفرقون أحيانا بين محمد النبي ومحمد الزعيم القرشي العربي وهنا يكون موضع الشورى في علاقتهم بسلطة النبي. فقد سأل حباب بن المنذر النبي عن المنزل الذي نزله في معركة بدر هل أنزله الله ذلك المنزل أم أنها المكيدة والحرب فقال له النبي أنها المكيدة والحرب ولم يأت في ذلك الوحي فاقترح عليه الحباب منزلا آخر فقبله النبي وقال "أشرت بالراي" وفعل ما اشار به الحباب(25) ومنذ معركة بدر وما سبقها من استشارة النبي أصحابه من المهاجرين والانصار في الخروج الى مشركي قريش في بدر كانت اللحظة الأولى لتأسيس مفهوم الشورى في الاسلام والذي اقتصر دوره في حياة النبي محمد "ص" على أمور الحرب والادارة دون أمور التشريع والقضاء والامارة والدين التي لم يكن يشارك أحدا فيها الوحي.

تاريخ الشورى في الاسلام

الاصطلاح اللغوي والشرعي

وفق المنهجية التقليدية والراسخة في التفكير أو الفكر الاسلامي فإن اللغة ومعاجمها هي المصدر الأول والأساسي في التزود بالمعنى الذي يكشف عنه او يحمله اللفظ في القرآن الكريم، ولذلك دأب المفسرون المسلمون القدامى والاسلاميون من الكتاب المتأخرين الذين تناولوا فكرة الشورى وتفسير آياتها على الرجوع الى مصادر اللغة في تأصيل المعنى للفظ الشورى الوارد في القرآن الكريم.

وقد تم تأصيل لفظ الشورى في أصلين أو مصدرين لفظيين هما "شور وشار" وذهب ابن منظور الى أصلها في " شور " فيقول " وأشار إليه وشوّر: أومأ يكون ذلك بالكف والعين والحاجب... وشوّر إليه بيده بمعنى أشار إليه - وتأخذ عنده صيغتان هما الشورى والمشُورة، بضم الشين -... ومنه شاورته في الأمر واستشرته... وشاوره مشاورة وشوارا واستشارة... طلب منه المشورة – لسان العرب، ابن منظور، دار احياء التراث العربي، ج 7 ص 235، مادة شور – وإشارة الكف والعين والحاجب تحمل دلالة الإيحاء الى الفكرة بواسطة اشارتها وهي حركة جارحة معبرة عن الفكرة ثم الإشارة إليها بإزاء الآخر الذي تصدر منه حركة الجارحة، وهو ما جعل ابن منظور يضع الشورى في اشتقاقها اللفظي في هذا الموضع من مواضع التأصيل لديه للفظ أو مادة شور، لكن أغلب المعنى لغويا في لفظ شور يذهب الى جني العسل فيقال شرت العسل واشترته و اشرته أو تذهب الى المعنى في اللبس الحسن والهيئة الحسنة أو الى معنى غرض الدابة وركوبها أو الى فحل الناقة اذا نظر الى الناقة فأشتارها أو تذهب لفظة شور الى معنى الجمال الرائع او الخجل.(26) لكنها لاتصل الى المعنى في الشورى بمعنى مشاورة الرأي او المشورة فيه، الا انها وبكلها معاني تستحضر الآخر وتوجده بالنسبة الى الفرد من الطائر – النحل أو الحيوان – الدابة أو الانسان – الجميل أو الخجول أو الآخر المشار إليه بالكف والعين والحاجب وهو ما يتضمنه معنى " شور " الاقرب الى اصل لفظ الشورى فيه وهو ما ينتهي إليه ابن منظور دون ان يصرح بهذا التأصيل أو يقربه إليه من بين كل المعاني المتقدمة، فهو ينتهي بالقول الى " استشاره: طلب منه المشورة...وتقول: شاورته في الأمر، واستشرته وفلان خير شيّر، أي يصلح للمشاورة وشاوره مشاورة وشورا: طلب منه المشورة...وأشار عليه بالرأي وأشار يُشير اذا ما وجّه الرأي "(27).

وإما عند الفيروزآبادي في القاموس المحيط فان اصل الشورى في " شار " وهي ذات المعنى في استخراج العسل وحسن وزينة الهيأة الى آخره من المعاني المتقدمة عند ابن منظور، لكن الفيروزآبادي يؤصل " أشار " في أومأ إليه ويكون بالكف والعين والحاجب ثم يقول وبلا تأصيل في اللفظ مباشر " وأشار إليه بكذا أمره وهي الشورى والمشورة... واستشاره طلب منه المشورة "(28) وهكذا نجد تردد الاصل اللغوي للفظ الشورى في لغة العرب بين " شور وشار " واشتقاقه الاسلامي المتأخر من أحد هذين اللفظين فلم يكن اشتقاقا لغويا - عربيا معهودا قبل الاسلام ولعلنا نجد ذلك واضحا في معنى شور عند الراغب الاصفهاني الخبير بمفردات وألفاظ القرآن فقد جاء في قاموسه المفردات

الشُّوَارُ: ما يبدو من المتاع، ويكنّى به عن الفرج، كما يكنّى به عن المتاع، وشَوَّرْتُ به:

فعلت به ما خجّلته، كأنّك أظهرت شَوْرَهُ، أي: فرجه،(29) وهو بعيد عن معنى الشورى في اصطلاحها الاسلامي.

وبهذا فانه اشتقاقا قرآنيا ومصطلحا اسلاميا خالصا لم تعهده لغة العرب على مستوى اللفظ والمعنى، لكنه مشتق من ألفاظ أخرى في هذه اللغة، فالشورى لفظ ومعنى مولّد اسلامي ودليلنا أن معاجم اللغة لم تحتو هذا اللفظ الا اشتقاقا، وقد يذهب بعض الباحثين في الأصول الاسلامية الأولى الى تأصيل تلك الألفاظ والمعاني في اللغات السامية اذا لم يجدوا لها أصلا في لغة العرب أو البحث عن جذورها في الديانات اليهودية والمسيحية وفي كتبها التوراة والإنجيل، لكنها في هذا الموضع يعوزها الدليل والاستدلال في تجذير أصل الشورى لفظا ومعنى في تلك الأصول المفترضة، الا ان الخليل يقول " المشوار: ما أبقت الدابة من علفها، وقد نشور تنشوارا... قال الخليل سألت أبا الدّقيش عنه قلت: نشوار أو مشوار؟ فقال: نشوار وزعم أنه فارسي "(30) ويبدو أن الخليل لم يكن مقتنعا بما ذهب إليه أبا الدقيش هذا اضافة الى انه يذهب في هذا اللفظ " نشوار " الى غير ما يذهب إليه المعنى في الشورى، وفي مقارنته لألفاظ القرآن الكريم باللغات القديمة في المنطقة يرى د. خالد اسماعيل علي أستاذ كلية اللغات في جامعة بغداد أن مادة " ش و ر " كما رودت في القرآن وهيئتها أشار: أومأ - مريم آية 29، شاور: طلب الرأي - آل عمران آية 159، شورى: التشاور – الشورى آية 38، تشاور: تبادل الرأي - البقرة آية 233 - يرى انها اختصت بالعربية بهذا الأصل والمعنى فيه دون اللغات الأخرى القديمة في المنطقة(31) لكن العربية لا تذهب الى هذا الحد في ابتكار وابتداع كلمة " الشورى " انما جاء الاشتقاق القرآني لها من أصول الألفاظ العربية فهي كلمة مولدة اسلامية وقرآنية خالصة في لفظها المبتكر والمقترح اسلاميا، فقد جاءت صريحة بهذا اللفظ في قوله تعالى " وأمرهم شورى بينهم " الشورى، آية 38 -.

وبعد هذا التأصيل لها في اللغة انتقلت الى مستوى الاصطلاح الشرعي الذي أكسبها أيضا الاصطلاح اللغوي وهي من الالفاظ التي جاء اصطلاحها اللغوي متولدا عن اصطلاحها اصطلاحها الشرعي على عكس الكثير من المصطلحات الاسلامية التي تبدأ اصطلاحا لغويا ثم تتحول الى اصطلاح شرعي، وقد جاء تعريفها الاصطلاحي لدى فقهاء الاسلام دون مقدمات في المعنى اللغوي لها في لغة أو معاجم لغة العرب الا على سبيل الاستعارة من معاني شير العسل وما تقدم من معانيها الاخرى وهي بعيدة عن المعنى اللغوي والشرعي الذي حدده لها فقهاء الاسلام وهو لا يلتقي الا بعيدا في استخراج الشيء سواء في شير العسل - استخراجه أو في الشورى في الرأي وبها يكون استخراج الرأي وهي مطابقة أو تأصيل متكلف يعود بالبعيد على البعيد، فالأصل في اللفظ والمعنى هو القرآن وهو الذي أنتج اصطلاحها لغة وشرعا.

وفي اصطلاح الشورى

قال الراغب الاصفهاني: التشاور والمشاورة والمشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض الى البعض قال تعالى "وشاورهم في الأمر" والشورى الأمر الذي يتشاور فيه قال تعالى " وأمرهم شورى بينهم " ويقول شرت العسل اذا اتخذته من موضعه واستخرجته منه – المفردات م س ص 470 -واستخراج الرأي بالشورى إحالة ضمنية الى استخراج العسل في لفظ شور أو شير والمطابقة هنا الفعل – استخراج – وليس في مضمون الفعل الذي هو الرأي في الشورى فهو بحد استعارة اللفظ دون المعنى. والفعل في شير أو شور يعود للإنسان المستخرج للعسل وليس للنحل الذي يعمل بشكل جماعي فيقارب مضمون فعله أو شكله مضمون أو شكل الشورى في جماعية الرأي، ولدى محمد بن جرير الطبري "وأمرهم شورى بينهم" اذا حزبهم أمر تشاوروا بينهم(32) فهو يذهب في المعنى منه مباشرة الى القرآن دون اللغة وهو أصوب في التأصيل واستخراج المصطلح.

أما ابن العربي فان الشورى لديه هي "المشاورة وهي الاجماع على الأمر ليشير كل واحد منهم صاحبه ويستخرج ما عنده "(33) وهو يستحضر فكرة الاجماع الفقهية التي تنتهي بالواجب الشرعي في التمسك بالرأي وفرضه وهو ماسيثير مسألة فقهية خلافية حول وجوب العمل بالشورى أو عدم وجوبه، ولم يشترط الألوسي هذا الاجماع فقد اكتفى بتعريفها اصطلاحا: استخراج الرأي بمراجعة البعض الى البعض، لكن تظل ضرورة الاتفاق الذي يقارب الاجماع في تعريف الألوسي فهو يحدد الاستخراج بالرأي الواحد ولذلك ذكره بصيغة المفرد دون العدد من الآراء التي توضع أمام ولي الامر وفي تعريفه بانها: المفاوضة في الكلام ليظهر الحق به (34)، لكن الصواب هو شرط الشورى أو الغاية منها أما الحق فانه أصل الشورى في الإسلام وهو حق المسلمين في إدارة شؤونهم كون الشورى صفة ملازمة للمؤمنين وهو ما أجمعت عليه أسباب النزول في آية الشورى.

ويتعقد مصطلح الشورى عند الطاهر بن عاشور، فالشورى لديه تعبير عن فعل مباشر يقوم به المعني بالمشورة وليس مجرد فكرة يصوغها في تعريفه فيقول: هي ان قاصد عمل يطلب ممن يظن فيه صواب الرأي والتدبير أن يشير عليه بما يراه في حصول الفائدة المرجوة من عمله، وهو تعريف لا يرتقي الى تعريفات المصطلحات الأصولية والفقهية في متانة العبارة وضبط التعريف مما يفقدها البعد الشرعي في الاصطلاح الفقهي.

وتظل كل التعريفات الإسلامية للشورى بهذا القدر من البساطة والتبسيط مما يدعها في مدى الجدل حول أصولها الإسلامية الأصولية والفقهية، ولذلك لم تدخل في قاموس أو قائمة المصطلحات الأصولية والفقهية، لاسيما التعريفات الحديثة للشورى بواسطة فقهاء وأساتذة إسلاميين وهي تعريفات تفتقد الى معايير الاصطلاح الاصولي والفقهي(35)

واذا كان شاغل اللغويين هو معنى الشورى فان شاغل المفسرين هو أمر الشورى لمن ومع من، والغاية أو الباعث على الشورى مع التسليم بالنبوة والوحي، واما شاغل الفقهاء في الشورى فهو دلالتها الفقهية بين الوجوب والتخيير.

الشورى في رأي التابعين والمفسرين

واذا كان خلاصة المصدر الأول في جدل الشورى في الاسلام هو الاصل اللغوي لها وما قدمته معاجم اللغة في هذا الشأن التفسيري الاسلامي المهم، فأن المصدر الثاني والمؤسس لهذا الجدل العقائدي هو القرآن الكريم وفي موردين أساسين من كتاب الله عزّ وجلّ وهما قوله تعالى "والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم" الشورى آية 38 وقوله تعالى "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لأنفضوا من حولك فأعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فاذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين" آل عمران آية 159

 وسورة الشورى سورة مكية على قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر(36) وفي الدر المنثور عن ابن مردويه عن ابن عباس قال نزلت حم عسق – وهي سورة الشورى – بمكة وكذلك عن ابن مردويه عن ابن الزبير قال نزلت بمكة حم عسق(37) وأما سورة آل عمران فإنها مدنية ولذا فان سورة الشورى تكون قد نزلت في جماعة المؤمنين في مكة الذين سيطلق عليهم لاحقا اسم المهاجرين لاسيما وأن الآية تتحدث عن الاستجابة المبكرة للدعوة واقامة الصلاة وتكشف عن جانب مهم في حياتهم الاجتماعية وهي ممارسة الشورى التي يبدو أنهم ورثوها عن سلوك اجتماعي قديم في مجتمعاتهم الحضرية لان هؤلاء المؤمنين الاوائل يكاد ان يكون كلهم من أهل الحضر وليس من بدو العرب، فكانت المشورة تقليد اجتماعي بينهم كما بينّا في ما تقدم من البحث، فجاء الوحي ليعزز من ذلك السلوك الاجتماعي ويشجع عليه باعتباره تعبيرا عن الآصرة الأخوية الجديدة والمتولدة عن تأسيس الايمان لها، وتمتاز كل الاخويات الدينية في تاريخها الاجتماعي بآصرة التعاون والتكافل في صناعة الرؤية والموقف بعد ان تتحقق بينهم نوعا من المساواة المعنوية –الانسانية والمادية– المعيشية في حياة هذه الاخويات الدينية وهي المساواة الكاملة التي تنتجها أديان الله حصرا دون أديان البشر.

لكن الكثير من المفسرين المسلمين القدامى يذهبون الى أن هذه الآية نزلت في اهل المدينة من الانصار، ويبدو ان مرجعهم في ذلك قول ابن عباس وقتادة في أن الشورى مكية إلا أربع آيات أنزلت في المدينة واحدة منها هي آية الشورى(38) ويدرك من كلام هؤلاء المفسرين أن الشورى كانت من تقاليد مجتمع المدينة وأنهم كانوا على هذا المنوال الاجتماعي قبل السلام وقبل مقدم النبي "صلى الله عليه وأله وسلم" الى المدينة يقول المفسر القرطبي "فكانت الانصار قبل قدوم النبي "صلى الله عليه وأله وسلم" اذا أرادوا امرا تشاورا فيه ثم عملوا عليه فمدحهم الله تعالى به "(39) ونسب الى الضحاك قوله "تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم وورود النقباء عليهم حتى اجتمع رأيهم في دار أبي ايوب على الايمان به والنصرة له "(40) لكن المفسر الرازي لا يذكر في من نزلت هل في الانصار أم في غيرهم بل يكتفي بقوله "فقيل كان اذا وقعت بينهم واقعة اجتمعوا وتشاورا فأثنى الله عليهم أي لا ينفردون برأي بل ما لم يجتمعوا عليه لايقدمون عليه"(41) وهو الكلام الذي قيل في الأنصار من أهل المدينة لدى المفسرين الآخرين، وكذلك نجد قريبا منه لدى المفسر ابن كثير دون التصريح بانها نزلت في الانصار بل التلميح بنزولها فيهم فهو يقول في تفسيرها "أي لا يبرمون أمرا حتى يتشاورا فيه ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها كما قال - وشاورهم في الأمر - ولهذا كان صلى الله عليه واله سلم يشاورهم في الحروب ونحوها "(42).

 ولم تكن المشاورة في الحروب في مكة بل كانت في المدينة بعد قيام دولة الاسلام بعد الهجرة من مكة وبهذا فأبن كثير يرى أنها نزلت في الأنصار ووصف حالهم قبل قدوم النبي اليهم لكن المفسر الثعالبي ينقل عن ابن زيد قوله "قوله تعالى والذين استجابوا لربهم الآية نزلت في الأنصار... وهل حصل الأنصار في هذه الصفة الا بعد سبق المهاجرين اليها"(43) مما يعيد القول في الشورى الى جماعة المؤمنين في مكة وقبل الهجرة ثم يلحق بهم الانصار بناء على توصيف أهل الايمان من الانصار والمهاجرين وفي قوله "والظاهر ان الله مدح كل من اتصف بهذه الصفة كائنا من كان"(44) توكيد من جانبه على تعميم الآية دون تخصيصها بالأنصار. وأما ابن الجوزي في زاد المسير فانه ينقل القول عن ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة والجمهور بانها مكية على اطلاقها لكنه يروي: وحكي عن ابن عباس وقتادة قالا إلا أربع آيات نزلن بالمدينة أولها لا أسألكم عليه أجرا وعن مقاتل فيها من المدني قوله " الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا... آية " 23 " الى قوله الصدور..آية " 24 " وقوله اذا أصابهم البغي..آية " 39 " الى قوله سبيل...آية " 41 "(45).

وفي الشورى فانه يقول " أجابوه فيما دعاهم اليه عن شورى بينهم "(46) دون أن يحدد من هم الانصار أو غيرهم من مؤمني مكة لكنه ينقل عن زيد بن أسلم: كان أصحاب رسول الله " صلى الله عليه واله سلم فرقتين بمكة فرقة كانت تؤذى فتعفو عن المشركين وفرقة كانت تؤذى فتنتصر فأثنى الله عليهم جميعا(47) " وقد تناولت آية الشورى فئة من المؤمنين كانت تتصف بإقامة الصلاة والشورى وتنتصر على من بغى عليها لكن بعضا منهم يعفو ويصلح، ووفق زيد بن أسلم فان هذه الفئة كانت بمكة مما يؤكد لديه بأن آية الشورى مكية وليست مدنية، ويذهب هذا المذهب في نزولها في مؤمني مكة ابن زيد في قوله: ذكر المهاجرين وكانوا صنفين صنفا عفا وصنفا انتصر(48) لكنه ينسب الآية " الذين استجابوا لربهم... الى قوله... ومما رزقناهم ينفقون " الى الانصار.(49) وهي الآيات التي تتضمن آية الشورى ويلجا ابن زيد الى تكلف متعمد في تقسيم آلايات 38 و39 و40 بين الانصار والمهاجرين وتقسيمها بين المدني والمكي وهي الآيات التي أختلف فيها المفسرون بين مكيتها ومدنيتها.

وفي تفسير الشوكاني عن ابن عباس وقتادة أن سورة الشورى مكية إلا اربع آيات منها أنزلت منها بالمدينة " قل لا أسألكم عليه اجرا إلا المودة في القربى... الى آخرها(50).

وينقل الشيخ الطوسي في تفسير التبيان قول قتادة ومجاهد أنها مكية وليس فيها ناسخ ومنسوخ(51) ولا يذكر قول من قال في آياتها مدنية فهي مكية كلها ولم يرو نزول أربع من آياتها في الأنصار كما هو في الرواية السنية بل اكتفى في تفسير قوله تعالى " وأمرهم شورى بينهم " بقوله: أي لا ينفردون بأمر حتى يتشاوروا عليه لانه قيل ماتشاور قوم إلا وفقوا لأحسن ما يحضرهم(52) وأما المفسر الطبرسي فانه ينقل قول الحسن أنها مكية إلا قوله " والذين استجابوا... والذين أصابهم " الآية 38 و39 الى قوله تعالى "لايحب الظالمين" الآية 40 فانها مدنية والشورى في الآية 38 ضمن آياتها المدنية وهي ثلاث أيات مدنية عند الحسن وليس أربع. وعن ابن عباس وقتادة ينقل قولهما إلا اربع آيات نزلن بالمدينة " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى "آية 23 الى قوله تعالى " لهم عذاب شديد " آية 26 053) والآيات الأربع المدنية من آية 23 الى آية 26 ولا تكون آية الشورى 38 ضمن هذه الآيات المدنية في الرواية عن ابن عباس وقتادة. وأما تفسير الطبرسي لآية الشورى فانه يرى الشورى من فعل المشاورة وهي المفاوضة في الكلام ليظهر الحق أي لا ينفردون بأمر حتى يشاوروا غيرهم(54)، وينقل ما روي أنها نزلت في الانصار وأن حالهم في الشورى كانت قبل الاسلام وأنه قد اجتمعوا عند سماعهم بظهور النبي وأجمعوا بعد هذه الشورى في دار أبي ايوب وقدوم النقباء عليهم على الايمان به والنصرة له وقد أثنى الله تعالى عليهم في هذه الآية وهي الرواية عن الضحاك(55) ومصادر الطبرسي في هذه الروية هي مصادر وأحاديث السنة ولم يرو عن امامي أو عن أحاديث الامامية.

لكن المفسر الطبري يرى ان خطاب آية المودة هي خطاب الى مشركي قوم النبي فيقول: قل يامحمد للذين يمارونك في الساعة من مشركي قومك لا أسألكم أيها القوم على دعايتكم الى ما ادعوكم اليه من الحق......" إلا المودة في القربى "(56) وقد كان مشركو قوم النبي في مكة فهي اذا آية مكية، لكن الطبري لم يصرح بمكيتها ولعله لم يقنع بمكيتها روائيا فساقها مساق الحديث العام في كلامه، ويبدو هذا واضحا في إرتباك الروايات التي يرويها في معنى الآية وما لمقصود بالقربى. إذ يروي عن ابن عباس وعكرمة وغيرهم من رواة السير والاحاديث انها في قريش وأنه كان للنبي قرابة في جميع قريش فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه قال لهم "ياقوم اذا أبيتم أن تبايعوني فأحفظوا قرابتي فيكم، وفي رواية أخرى كان يقول "إلا ان تودّوني لقرابتي منكم وتحفظوني" وفي رواية أخرى يقول "أحفظوني في قرابتي" ويذهب الطبري هذا المذهب في انها في قريش وأن النبي كان يقول " يا معشر قريش... إلا ان تودوني في قرابتي منكم وتصلوا رحمي حتى بينكم وبني"(57) وكونها في قريش فإنها مكية بالنتيجة، فقد كان الخطاب مباشر بين النبي وقريش في روايات الطبري وقريش في مكة، لكن التكلف والصنعة بادية في هذه الروايات اضافة الى تناقضها في المتن والمعنى وتناقضها في سبب النزول، فقد روى أيضا أنها نزلت في الانصار لما تفاخروا بما قدموا للنبي والاسلام فعاتبهم النبي فنزل قوله تعالى "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى"(58).

 لكن ما يستفاد من قول الطبري ورواياته أن سورة الشورى مكية بتمامها وكلها وليست مدنية حتى في بعض آياتها مما يحيل الى أن فكرة الشورى وآياتها كانت مكية وليست مدنية وهو الاقوى والارجح، وأنها كانت في جماعة المؤمنين في مكة.

 وعلى خلاف ما ذهب اليه المفسرون المسلمون القدامى وتبعهم عدد من الكتاب المتأخرين في هذا العصر الذين استندوا اليها في بناء تصوراتهم عن نظام الحكم السياسي الاسلامي فهي نزلت في مكة وقبل قيام الدولة الاسلامية-النبوية في المدينة، وهي بهذا لا تشكل مبدأ اساسيا في نظام الحكم في الدولة، بل هي صيغة اجتماعية وموروث ثقافي قبلي عربي استوعبه الاسلام وضمه الى سلوك المسلمين الاجتماعي وأثنى عليه في وحدة الجماعة المؤمنة.

واما المورد الآخر من القرآن في الشورى وهو اساس فكرة الشورى في وجوبها لدى من قال بوجوبها فهو قوله تعالى " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لأنفضوا من حولك فأعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فاذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين " آل عمران آية 159 وسورة آل عمران سورة مدنية عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وعن جميع المفسرين هذا القول(59).

 ورغم ان التطور الدلالي للشورى المدنية ظل على ماهو عليه في الشورى المكية الا ان المستوى التداولي لها شهد تطورا هاما بانتقالها من حالة الموروث الاجتماعي والثقافي المكي الذي اثنى القرآن عليه الى التأسيس الرسمي والديني لها عند المفسرين المتقدمين ومن ثم برمجة النظام السياسي الاسلامي فيها وفق ما ذهب اليه بعض المتأخرين. وموضوع الآية هو المعاملة فالدين هو المعاملة، وفيها حديث الرحمة ولين الجانب وسوء فظاظة الخلق وغلظة القلب وحديث العفو والمغفرة والشورى والعزم والتوكل على الله، وهو ما يطبع الآية بمضامين أخلاقية لدى أكثر المفسرين إن لم يكن كلهم، وبملاحظة نزولها في المدينة وفي رسم العلاقة بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومجتمع المدينة فأن الشورى تدخل في ذلك المنحى الأخلاقي الذي كان سائدا في علاقة النبي بمجتمع المدينة، وهو ما فهمه المفسرون المسلمون بذلك المضمون التفسيري لآية الشورى في سورة آل عمران.

فقد ابتدأ المفسر الرازي بقوله: اعلم أن لينه مع القوم عبارة عن حسن خلقه مع القوم(60) ثم يقول في تفسير العفو والمغفرة والشورى في هذه الآية: أن كمال حال العبد ليس إلا في أن يتخلق بأخلاق الله تعالى قال عليه السلام: تخلقوا بأخلاق الله(61) وفي مجمع البيان يقول المفسر الطبرسي: بيّن سبحانه أن مساهلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إياهم ومجاوزته عنهم من رحمته تعالى حيث جعله لين العطف حسن الخلق(62) وفي تلك الرحمة الاخلاقية يستقر في ذهنية المفسرين إنتماء الشورى اليها وهي الرحمة التي اختص بها الله تعالى نبيه، وقد نسب أولئك المفسرون تلك الرحمة الى الله تعالى مباشرة فقال المفسر القرطبي: أنه عليه السلام والصلاة لما رفق بمن تولى يوم أحد ولم يعنفهم بيّن الرب تعالى أنه إنما فعل ذلك بتوفيق الله تعالى إياه(63) ويقول المفسر الطبري: حدثنا... عن قتادة في قوله "فبما رحمة من الله لنت لهم" يقول: فبرحمة من الله لنت لهم(64) وقد فهمت الشورى لدى هؤلاء المفسرين على أنها تطييب لقلوب الأنصار وائتلاف لهم وأنه يسمع منهم ويستعين بهم وهو قول اهل التأويل كما ينص على ذلك المفسر الطبري(65) ونقل المفسر الطوسي عن قتادة والربيع وابن اسحاق أن ذلك على وجه التطييب لنفوسهم والتأليف لهم والرفع من أقدارهم(66) ونقل هذا القول أيضا المفسر الطبرسي(67) وهو ما يذهب اليه المفسر الرازي ويشدد عليه بقوله: ولو لم يفعل ذلك... من الشورى... لكان ذلك إهانة بهم فيحصل سوء الخلق والفظاظة(68) واكثر هذا القول في تطييب النفوس وائتلاف القلوب بالشورى وتضمين المنحى الاخلاقي في تشريعها وهو ايضا سبب تشريعها وفق هذا القول ومصدره لدى المفسرين هم قتادة والربيع وابن اسحاق(69).

 إلا إننا نجد تطورا في مستوى التداول الإسلامي والدلالي - التفسيري لفكرة الشورى، فقد انخرطت الشورى في قواعد الشريعة وعزائم الأحكام وصارت حكما واجبا وقاعدة في الفقه السياسي الإسلامي، وخرجت عن إطارها المحدود في رفع الأقدار برفع المشقة عن نفوس سادات العرب اذا لم يشاوروا وهو قول مقاتل وقتادة والربيع (70) وهنا مكمن دلالتها الاجتماعية والعرفية والتي عول عليها المفسرون القدامى في تعليل الشورى مما يعكس وجهة النظر التفسيرية القديمة التي تستبطن التفريق بين الشورى والسياسة بإلحاقها بالمجال الاجتماعي والعرفي التقليدي، وهو يقصيها ضمنا عن ادخالها في منحى السياسة وقواعد الحكم السياسي في الاسلام.

الشورى في الفقه السني

لكن ابن عطية نقلها من حيز الدلالة الاجتماعية الى حيز الدلالة الفقهية والدينية السياسية، فقد اعتبر الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الاحكام ورأى أن لا خلاف في وجوب عزل من لا يستشير أهل العلم(71)، ويعني به ولاة الأمور من الحكام والخلفاء المسلمين، ويعد هذا القول المؤسس الأول في ادخال الشورى في نظام الحكم الاسلامي، وهو ما سيقود الى تأسيس الفكرة الاساسية في السياسة الشرعية وهي فكرة " أهل الحل والعقد " التي نستطيع تلمس قاعدتها في التخصص والخبرة بمجال خاص، وهو ما ستشهده فكرة الشورى في السياسة الشرعية أو شروطها في ظل التطوير الفقهي - الاسلامي لها مع ابن خُويزمنداد. فقد رأى وجوب الشورى على الولاة في ما لا يعلمون وما أشكل عليهم من أمور الدين، وتكون المشورة في هذا مع العلماء، وفي ما يتعلق بالحرب فان المشورة مع وجوه الجيش، وفي ما يتعلق بالمصالح فالمشورة مع وجوه الناس، وفي ما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها فأن المشورة مع الكتاب والوزراء(72) وسيكون بإمكان هؤلاء إجراءات الحل والعقد وتخصصهم بهذه الوظيفة واللقب في أحكام الفقه السياسي الاسلامي وقواعد السياسة الشرعية.

 ونجد في أصل هذا القول منحى السياسة في الشورى وأنها ستتطور وفق هذا القول الى عدها من قواعد الحكم والسياسة في الاسلام، فقد خرجت بهذا القول عن مجرد تطييب النفوس وائتلاف القلوب الى ضرورة المشاورة الواجبة دينيا وشرعيا.

 يقول المفسر الرازي: ظاهر الأمر للوجوب فقوله " وشاورهم في الأمر " يقتضي الوجوب وحمل الشافعي ذلك على الندب(73) بينما اكتفى آخرون بأنه أمر من الله بالمشورة وهو المروي عن قتادة والربيع وعن الضحاك(74) وأما المفسر القرطبي فانه رأى في الامر جواز الاجتهاد والأخذ بالظن مع امكان الوحي بالنسبة الى النبي فان الله قد أذن له في ذلك كما يقول نصا(75) واذا كانت الشورى أمر لم تتحدد هويته في الوجوب كما عند المفسر الطبري فهو أمر على اي حال أو كان واجبا كما يقول الرازي، أو ندبا كما يقول الشافعي، أو كان اجتهادا مع امكان الوحي كما يذهب الى ذلك القرطبي، فأنه خطاب في حيثياته الأربع موجه الى النبي محمد " ص " لكن بعض من التابعين وبعض من المفسرين رأوا أنه من باب أولى يكون المخاطب به المؤمنون ليتأسوا ويتمثلوا بالنبي محمد " ص " وهو قول سفيان بن عيينه قال: هي للمؤمنين أن يتشاورا فيما لم يأتهم عن النبي " ص " فيه أثر(76) ونسب المفسر الرازي قريبا من هذا الراي الى سفيان بن عيينه والحسن فقال: قال الحسن وسفيان بن عيينه انما أمر بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة ويصير سنة في أمته(77) وروي عن الحسن البصري والضحاك قالا: انما اراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل ولتقتدي به أمته من بعده(78).

ومن الجدير بالذكر فانه لم يروى عن الصحابة أو المهاجرين والأنصار شيء من ذلك القول في توجيه الخطاب الى المؤمنين وأمة الإسلام، وانما هو قول التابعين وتبعهم في ذلك المفسرون والفقهاء، وكانت حجة هؤلاء التابعين في عدم اختصاص خطاب الشورى بالنبي محمد " ص " حصرا هو ان الوحي كان يغنيه عن الحاجة الى أراء الناس واهل الحل والعقد، فهو نبي مسدد من الله ومؤيد بروح القدس، وكانوا يردون في قولهم هذا على إشكالية مفترضة في الفكر الاسلامي القديم اذا كان النبي يأتيه الوحي فما الحاجة الى أراء

محرر الموقع : 2018 - 12 - 06