تغيير استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط
    

أكد الرئيس الأمريكي جو بايدن في مؤتمر ميونيخ الافتراضي الذي أقيم في التاسع عشر من فبراير عام 2021 وبمشاركة قادة الدول الأوروبية، على شعار “عودة أمريكا”، معلنا استعداده لإجراء المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني في إطار مجموعة 5زائد واحد. كما انتقد السياسات الإقليمية لإيران وصرح بأنه يريد وضع حد للاتفاق النووي. هذا وأعلن ويندي شيرمان حول قرار إدارة بايدن القاضي بالعودة إلى الاتفاق النووي وتوظيفها كمنصة لإجراء المفاوضات في المجالات الأخرى، بان الظروف في عام 2021 تغيرت، مقارنة بما كانت عليها في عام 2015 على هذا فان الجغرافية السياسية لمنطقة الشرق الأوسط تتطلب اتخاذ الولايات المتحدة مسارا جديدا. 

شهدت الشرق الأوسط العديد من الحروب والصراعات والتهديدات الأمنية ومازالت، وقد أدى قرار الإدارة الأمريكية منذ عهد أوباما القاضي بتقليل التواجد الأمريكي في الشرق الأوسط وجعل دول المنطقة تتولى شؤونها، إلى زعزعة التوازن السياسي في الشرق الأوسط والتغيير الجيوسياسي الإقليمي، وذلك نتيجة ظهور لاعبين سياسيين يحملون مقاربات متضاربة.

وفرت مقاربة أوباما السلمية فرصة لروسيا وإيران وتركيا للتأثير على القضايا الإقليمية، وقد اتضح هذا الأمر في نفوذ الدول الثلاثة في سوريا. ان الحرب بالنيابة، كما حدثت في سوريا، هي مثال على العمل خارج الحدود حيث أصبحت قدرة السيطرة على الدول الأخرى نموذجا مشتركا ولكن حيويا في الساحة الإقليمية للحفاظ على توازن القوى من خلال تهديد استقلال الدول الأخرى وسيادتها. منذ ذلك الوقت، أدت الجهود المبذولة لتوسيع دائرة النفوذ إلى تكوين نموذج جيوسياسي جديد في المنطقة تتصرف فيه الدول وفق القوة الوطنية وبعيدا عن حدودها الجغرافية.

بما أن الفراغ الناجم عن غياب قوة إقليمية أو عالمية يمكن أن يؤدي إلى ظهور قوى رافضة لوضع الراهن في النظام الدولي على شكل حكومات تسعى إلى تغيير أو إنهاء النظام القائم وتنفيذ سياساتها الإقليمية أو العالمية؛ فيبدو أن إدارة بايدن بحاجة إلى أدوات مختلفة لتحقيق إستراتيجيتها لتقليل الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط إلى جانب حماية مصالحها الحيوية.

يمكن دراسة تكوين فكرة المطالبة بإعادة النظر في السياسات الإقليمية الهادفة إلى فتح مسارات جديدة في الأجواء الإقليمية الحاملة لتأثيرات دولية، عبر عدة متغيرات:

في المتغير الأول تظهر القوى المطالبة بإعادة النظر في السياسات الإقليمية، إذ بموجبها استطاعت إيران وعلى إثر التطورات التي عرفت بالربيع العربي، ان تتحول إلى لاعب مهم في الساحة السياسية العراقية، كما تمكنت من توسيع نفوذها في كل من سوريا واليمن ولبنان. وذلك نظرا للمكانة الجيوسياسية الفريدة بنوعها لإيران في المنطقة. إضافة إلى هذا تمكنت تركيا ومن خلال الأفكار العثمانية الجديدة وإتباع نموذج إيران من القيام بعمليات عسكرية في سوريا والعراق وليبيا، كما تحاول إسرائيل ان توفر الأرضية للتوجه نحو الخليج من خلال بناء التحالفات مع دول الخليج، وبهذا تقوي الجبهة المقابلة لإيران.

أما المتغير الثاني فيتجلى في زيادة سلطة القوى العالمية أي الصين وروسيا وذلك من خلال التدخل في الحرب السورية بالنسبة لروسيا والقضايا الاقتصادية فيما يتعلق بالصين. وأخيرا يعد المتغير الثالث نتيجة الأول والثاني إذ وفي ظل غياب الولايات المتحدة ونفوذها القوي، زادت وتيرة التنافس بين حلفاءها وأعداءها، فمالوا أما نحو روسيا أو الصين.

نظرا إلى أن إعادة نظر القوى العظمى في القضايا الجيوسياسية تؤدي في كثير من الأحيان إلى تصعيد الصراعات الدولية وحتى الحروب، فإن احتمال تصعيد المواجهة والصراع في المنطقة لن تكون مستبعدة. وعلى هذا، إن أدوات مواجهة الولايات المتحدة مع التحديات الخطيرة التي فرضها صعود الحكومات المطالبة بإعادة النظر وتنافس القوى العالمية تعاني من خلل، بحيث تركت جهود إدارة المشاكل الإقليمية على حالها. لذلك، بحسب تصريحات ويندي شيرمان، فإن تغيير المسار الجيوسياسي ضروري للولايات المتحدة بالنظر إلى التغيير الجيوسياسي في الشرق الأوسط.

فيما يتعلق بأهداف إدارة بايدن، والذي يمكن أن تصبح منطلقه في التعامل إيران، فإنها تتضمن الحاجة إلى استخدام الدبلوماسية للتواصل مع إيران وخلق فرصة للتعاون في الشرق الأوسط المضطرب لإنهاء الحروب بالنيابة. تحاول إدارة بايدن باستخدام الوسائل الدبلوماسية وعبر إعادة بناء الاتفاق النووي، الحصول على منطلق جيوسياسي للتعامل مع إيران، حتى تتمكن وعند استئناف العلاقات مع طهران، ان تتغلب على التأثيرات الإقليمية لروسيا والصين.

إذا فشل بايدن في استخدام الأدوات اللازمة لحل الصراع في الشرق الأوسط، فيجب أن يكون مستعدا للقبول بنظام عالمي جديد يصبح بمقدور الحكومات المطالبة بإعادة النظر، إعادة كتابة القوانين الدولية لصالحها بغية إعادة تحديد جوهري في ديناميكيات القوة الإقليمية.

موقع ديبلماسي إيراني

محرر الموقع : 2021 - 03 - 21