زواج عمر بن الخطاب من ام كلثوم بين النفي والاثبات .. ارقام ومغالطات.
    


                            عادل الموسوي

  بديهي جدا ان يتمنى بعضنا ان تكون نتيجة البحث في زواج عمر بن الخطاب من ام كلثوم هي النفي، ويتمنى البعض الاخر ان تكون النتيجة هي الاثبات.
  ما سأتعرض اليه ليس بحثاً في هذا الامر، فقد بُحث الموضوع في مضانه نفيا واثباتا وساق الذين اختلفوا ما امكنهم من ادلة اعتبر كل منهم انها ناهضة عنده واهية عند غيره، فإن شئت الاطلاع ورمت الحقيقة فدونك البحوث فهي مستفيضة.
  في الحقيقة لايصل الحقيقة الا من تجرد، وأنى لغير المتجرد الاذعان، فالايمان فوق الدليل والبرهان، لن ادعي المثالية، لكن خوفا من تهمة المحاباة او الحيود، لابد من طرح امرين قبل البيان:
  الاول: 
  انا مؤمن بالعصمة وسواء لدي أَثَبَتَ زواج عمر بن الخطاب من ام كلثوم ام لم يثبت، ومَثلُه عندي -ان ثبت- كصلح الحديبية او صلح الامام الحسن ع او بيعة الامير ع للقوم او ولاية العهد للإمام الرضا ع، وغيرها مما أُخذ على المعصومين ع او تداوله من لم يؤمن بهم او يحفظ الادب معهم، انا مؤمن بهم لا اسأل -شاكا- عن فعل صدر عنهم ولا تأخذني ريبة في امرهم "..فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا " 
  الثاني: 
   ان ما ثبت عندي غير حائدٍ عن الحق -ان حِدْتُ- عن عمدٍ : اني اطلعت على ادلة الاثبات فرأيتها غير ناهضة وكأن من أصَلّها اراد نفي الخلاف بين ".. أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ .. "، واطلعت على ادلة النفي فوجدتها متينة دامغة لا يصمد امامها ولا يطمس حجتها الا المغالطات والتضليل.
  وخلاصة ما ركنت اليه: ان زوج عمر بن الخطاب هي ام كلثوم بنت جرول، وان ام كلثوم بنت امير المؤمنين ع هي زوج ابن عمها مسلم بن عقيل ع، شهدت كربلاء وكانت من سبايا عاشوراء وهي ام حميدة بنت مسلم.

  ان ما دعى لهذا الموضوع هو ما سائني من تقحم البعض -غفر الله لهم- مواضيع ليس لهم بها باع، وتكلف البعض -سامحهم الله- النشر لمواضيع بلا روية منهم، نسخ ولصق ونشر وتوسل مشاركة.
  من تلك المنشورات المؤسفة : منشور تداولته -منذ فترة- صفحات التواصل ولا زال يتكرر بين فترة واخرى.
   عنوانه : 
 " الحقيقة الغائبة .. زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت أمير المؤمنين علي عليه السلام " 
   ونصه:
"التأريخ يقول إن عمر بن الخطاب أسلم وهو أبن ٤٠ عامآ وتوفي عن عمر ٦٣ سنة، والإمام علي صلوات الله عليه عندما بعث النبي محمد - صلى الله عليه واله - رسولا كان عمره ٩ سنوات وتزوج وعمره ٢٥ سنة أي بعد ١٦ سنة من أسلامه ، أي أن عمر بن الخطاب حين زواج الإمام كان قد بلغ من العمر ٥٦ سنة، طيب ٦٣ - ٥٦ = ٧ أي أن المتبقي من عمر أبن الخطاب ٧ سنوات.
المولود الأول للأمير المؤمنين عليه السلام هو الإمام الحسن بأبي وأمي المولود الثاني هو الإمام الحسين روحي له الفداء، المولود الثالث مولاتي الحوراء زينب بأبي وأمي، المولود الرابع سيدتي أم كلثوم روحي فداها، فلو طرحنا على أقل التقادير ٢ من ال ٧ فيكون ٧ - ٢ = ٥ فيثبت لنا إن عمر سيدتي أم كلثوم كان ٥ سنوات.
فمتى تزوجها عمر بن الخطاب ويقولون أنجبت له زيدآ وفاطمة، فهل تزوجها بعمر ٣ سنين تلك إذن قسمة ضيزى .. 
 انشروها فان أغلب المسلمون لا يعلمون هذه الحقيقة " -النص كما ورد، انتهى- 

  في الحقيقة ان "الحقيقة" التي توصل اليها "الباحث" او صاحب "الحقيقة الغائبة" -مع الاعتذار اليه- تذهل عباقرة التاريخ والرياضيات والمنطق ..
  كان الوصول الى هذه "الحقيقة" اشبه بمن لف الارض من جهة المغرب ليصل الى نقطة قريبة له من جهة المشرق.
  لقد تضمن المنشور اخطاء ومتاهات ومقدمات غير منتجة ومغالطات .
  ان المطلوب الذي ينبغي تحقيقه للوصول الى النتيجة لم يكن بحاجة الى كل تلك المعادلات وما تضمنته من تكلفات، فكل ما يحتاج اليه هو: كم كان عمر ام كلثوم عند وفاة عمر بن الخطاب، ليرى ان كان زواجها ممكناً في ذلك العمر ام لا؟ 
  وجوابه بسيط وبسيط جدا ..!! نأتي عليه -لاحقا- بعد النظر في معادلات "الحقيقة الغائبة" : 
 1- قال: " ان التاريخ يقول ان عمر بن الخطاب اسلم وهو ابن 40 سنة .."
   - والصحيح ان عمر بن الخطاب اسلم في السنة ال 5 من البعثة ومات في السنة ال 23 للهجرة وله من العمر 63 سنة، فيكون عمره عند اسلامه 33 سنة وليس 40 سنة.

وتوضيحه: ان البعثة سبقت الهجرة ب 12 سنة، فتكون السنة ال 5 للبعثة هي السنة ال 7 قبل الهجرة فإذا اضفت لها 23 سنة وهي ما عاشه بعد الهجرة كانت النتيجة هي 30 سنة وهي ما عاشه بعد اسلامه فإذا طرحتها من عمره وهو 63 سنة كانت النتيجة 33 سنة.
2- قال: ان الامام ع كان عمره عند البعثة 9 سنوات وتزوج وعمره 25 اي بعد 16 سنة من اسلامه.
- والصحيح ان الامام ع تزوج في المدينة في السنة الاولى للهجرة وكان عمره عند البعثة 10 سنوات اي تزوج وعمره 23 سنة اي تزوج بعد 13 سنة من اسلامه وليس بعد 16 سنة.
- استعمال كلمة "اسلامه"  هو جريا على العادة وإلا فهو مسلم مؤمن واقعا-
3- قال: ان الامام تزوج بعد 16 سنة من اسلامه وان عمر اسلم وهو ابن 40 اي ان عمر بن الخطاب كان عمره 56 في السنة التي تزوج بها الامام ع.
- وهو فرض خاطيء اعتبر فيه ان عمر بن الخطاب والامام علي اسلما في سنة واحدة وهي سنة البعثة وهو غير صحيح لان عمر اسلم بعد البعثة ب 5 سنوات، فإذا كان كذلك فيكون الفرق بين اسلام عمر وزواج الامام - وفقا لحساباته - هو 11 سنة وليس 16 وان كان في الواقع هو 7 سنوات فقط لا غير، وكان يفترض به ان يحسب عمره عند البعثة لا عند اسلامه فعمره حينذاك هو 28 سنة، لكنه بخطأ او مغالطة -لا ادعي انها مقصودة بسوء نية- اعتبر ان عمره كان 40 سنة، فتأمل.

ووفقا لطريقته في الحساب تكون معادلاته صحيحة اذا كانت بالشكل الاتي:
- ان عمر بن الخطاب كان عمره عند البعثة 28 سنة .    
- ان زواج الامام ع كان بعد البعثة ب 13 سنة.
- اي ان عمر بن الخطاب كان عمره 28 سنة + 13 سنة = 41 عند زواج الامام ع وليس 56 سنة.
- مات عمر بن الخطاب وعمره 63 سنة -41 سنة = 22 الباقي مابين زواج الامام ووفاة عمر وليس 7 سنوات.
فاذا فرضنا ان ام كلثوم ولدت بعد 4 او 5 سنوات من زواج الامام، إذن يكون عمرها عند وفاة عمر هو 17 او 18 سنة.
  قلنا انه لم يكن ضروريا الدخول في كل هذه المتاهات فلا حاجة لمعرفة عمره ولا سنة اسلامه ولا تاريخ زواج الامام ولا اي من تلك المعادلات.
 كان المطلوب فقط هو معرفة عمر ام كلثوم عند وفاة عمر بن الخطاب، وهو امر جد يسير وبمعادلة جد بسيطة: 
 - مات عمر بن الخطاب سنة 23 للهجرة .
- ولدت ام كلثوم سنة 5 للهجرة.
- اذن كان عمر السيدة عند وفاة عمر هو 18 سنة.
  هذا كل ما في الامر.
  وهو لايعني بالضرورة تحقق الزواج في الواقع.
  هل كان صاحب "الحقيقة الغائبة" يعلم بهذه المعادلة ؟! واقعا لا ادري !! ولكن لابد انه كان يبحث عن نتيجة يكون فيها عمر السيدة غير مناسب للزواج فكان المحور في الحسابات هو المتبقي ما بين زواج الامام ووفاة عمر .
  ان الداعي لمناقشة هذه الحسابات وبيان خطأها هو تحري الصحة والدقة وان بيان الحق لا يرجى بالتوسل بمثل هذه المغالطات، فلو ان المخالف قام ببعض الحسابات البسيطة لوجد انها خاطئة ووصفها بالباطلة واصدر حكمه وشنع على الرافضة بالكذب والتزوير ومجانبة الحقيقة وكان بيان كذب هذه الحسابات دليلاً -عنده- على صحة المطلب وهو زواج عمر بن الخطاب من ام كلثوم.

  هل ان صاحب "الحقيقة الغائبة" اشتبه عليه الامر وكانت لديه نتيجة جاهزة وحكم مسبق بحث لهما عن مقدمات ؟! وهل دفعه لذلك استحالة تصور قبول الامام ع لذلك الزواج ؟! وهل يدفع الباطل بمجانبة الحق ؟! ام هو طعم واغراء بطرح دليل ضعيف يسهل انكاره لاثباث عكسه؟
  كان المحور الرئيس الذي حرص صاحب "الحقيقة الغائبة" للتوصل اليه هو الخروج بنتيجة ان عمر السيدة كان صغيرا لا يمكن معه فرض او تصديق زواجها فيه، حيث انحاز ورجح احتمالات متباعدة تخدم الغرض ثم عمد الى مغالطة اذ فرض ان عمر والامام اسلما في سنة واحدة.
  كل ذلك كان لتقليل الفترة ما بين زواج الامام ووفاة عمر حتى وصل بها الى 7 سنوات فخرج بنتيجة ان عمر السيدة كان عند وفاة عمر هو 5 سنوات فقط.
 ان هذه النتيجة في الواقع مخجلة جدا فلو ان صاحب "الحقيقة الغائبة" تأمل قليلاً في سنة وفاة عمر بن الخطاب وهي سنة 23 للهجرة وما توصل اليه من ان عمر السيدة كان 5 سنوات عند وفاة عمر -فوفقا لحساباته- سيجد ان السيدة ولدت سنة 18 للهجرة اي بعد شهادة امها الزهراء ع بسنوات عدة !! واين هذا من الحساب والمنطق ؟!!
 في واقع الامر ان الحقيقة قد غابت عن صاحب "الحقيقة الغائبة " باستعمال الأدلة غير الصائبة ففي براهين النفي بالحق كفاية ونفيا للعائبة.

انتهى، ولكن عرضا وختاما اقول: لا ينبغي الالحاح في قضية: طلب المشاركة والنشر ولا ما يتخذ فيها من اساليب محرجة. 
 عهدنا هذه الظاهرة في ذلك العهد إذ تدس القصاصات في مصاحف المراقد المقدسة، ويطلب من المتورط بقراءتها النسخ سبع مرات مع التحذير من سوء عاقبة من تخلف .. 
  ان اقحام الاخرين بما يعتقده -الناشر-صحيحا او مهما او ضروريا بهذه الوسائل هو ارهاب فكري لا ينبغي ان يمارس بحجة دعم الدين والمذهب والانتصار لهما فيجعل الداعي من نفسه علما للهدى ومنارا للتقى .. فالمضمون يأخذ طريقه للنشر ان اعجب القاريء او اقنعه ووافق هواه ومزاجه ومتبناه ..
  سئمنا منشورات ساذجة لا تستحق  تكلف عناء البحث والرد لولا واجب النصح والدفع عن إستحكام الشبهات.
  منشورات ما انزل الله بها من سلطان ، فمع بداية كل عام تتكرر علينا وتقتحم صفحاتنا منشورات مثل : ان الاول من الشهر يوافق يوم الاثنين وان الثاني من الشهر الثاني يوافق اليوم نفسه وان الثالث من الشهر الثالث كذلك وهكذا.. ويكفي لمن له ادنى اطلاع نظرة عابرة لتقويم تلك السنة ليلاحظ ان لاشيء مما ذكر صحيح. 
  كوكب مر على الارض بعد كذا الف سنة، وفي هذا اليوم صلاة بكيفية معينة او دعاء او صيام او صدقة او نسك. 
  وكالة ناسا تكتشف كوكبا سيضرب الارض في السابع عشر من .. 
  مذنب .. اقتران كواكب .. حدث كوني .. وغيرها كثير ..
  احاديث واقوال وحكم مسندة الى اهل البيت ع ..معلومات تاريخية .. طبية .. علمية .. غير صحيحة .. وغيرها مبالغات كثيرة ..
 مفتريات ومغالطات تجانب الحقيقة بحثا عن الاثارة والتهويل وطمسا وتشويشا للحقائق ..
  وإذن .. لابد عند النشر من التمهل قليلا ..

 

 

محرر الموقع : 2019 - 03 - 14