هل حذرت المرجعية الدينية العليا الأمة من داعش ؟ (9)
    

 الأزمة التي وِلد منها داعش !. مُلخص مقدمة المقال : ـ ” .. شعبنا كثير النزف .. توَّج عطاءه بالفتنة الداعشية إلى أن أقبرها وأنهاها .. هذه الفتنة لا تنتهي ولا تُقبر إلا بهذا الدّم ..”.

https://alkafeel.net/inspiredfriday/index.php?id=366

بتلك الفقرات وصفت المرجعية العليا في 19/1/ 2018م , وعبر منبر جمعة كربلاء داعـش بـ الفتنة .

سؤال : هل حذّرت المرجعية العليا الأمّة (الشعب العراقي) من داعـش ومِن خطره العظيم ؟. وإذا كانت قد حذّرت فمتى كان ذلك ؟. وأين ؟. وكيف ؟. مع يقيننا بأنها تُواكب الأحداث وتُراقبها وتعلم بشكل جيد بأدق تفاصيلها . وسؤال آخر :

هل حذّرت المرجعية العليا من خطورة النيل من الدولة ؟. وهل عمِلت على صون وحفظ الدولة ومرتكزاتها ؟. متى كان ذلك ؟. وأين ؟. وكيف ؟.مع يقيننا بأن في حفظ وصون الدولة وتعزيز مقوماتها المُتمثلة بـ (الشعب ـ الأرض ـ السلطة) هي حفظ وصون أمن واستقرار الشعب ومقدساته وأراضيه .

ـ لا مناص من أن الجواب على الأسئلة أعلاه وما ينبثق من أسئلة أخرى هو : نعم !. ونعم حذّرت المرجعية العليا مرارا ً وتكرارا ً من الإرهاب والإرهابيين الذي ـ داعش ـ هو أحد صوره ومصاديقه . فتحذيراتها جاءت مبثوثة عبر أساليب خطابها المتنوع والموجه للجميع .. ولعل منبر صلاة جمعة كربلاء هي أكبر الوسائل وأوضحها . لذا أعرض هنا مساهمة متواضعة لرصد بعض مواقف المرجعية العليا بتقصّي أقوالها المُحذرة عن تلكم الأخطار, لتكون شاهدة وحجّة على من (جَحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ً وعلوّا) . وبالتركيز على فترة قتال داعش والمحصورة ما بين خطبتي الجهاد والنصر وما بعدها , لما لحق بالفتوى من ظلم وتعدّي وتشويه وتقوّل .. بمقال يحمل عنوان” هل حذّرت المرجعية الدينية العليا الأمّة من داعـش ” . متسلسل على شكل حلقات مرقمة , تأخذ من جملة ( هل تعلم بأنّ المرجعيّة الدينيّة العليا ) التي تبدأ بها جميع الحلقات , لازمة متكررة موجبة للعلم والفهم ( لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) لمجمل مواقف المرجعية العليا حول ذات الموضوع . ربما نلمس مِن خلال هذا السِفر جهاد وصبر وحكمة المرجعية العليا في حفظ العراق بلدا ً وشعبا ً ومُقدسات .

ـ ( 44 ) ـ تفترق هذه الحلقة عن سابقاتها من الأهمية بمكان , كونها تسجل أول موقف صريح للمرجعية العليا , لأهم حدث طرأ على الساحة السياسية والأمنيّة في العراق . الفعل الطارئ أو(الحدث السياسي) الجديد ما كان ليطفح على السطح ويظهر جليا ً لولا ترسبات وتراكمات أخطاء الماضي !. وردّة الفعل الذي هو (موقف المرجعية العليا) الجديد إزائه جاء تتويجا ً لكل مواقفها السابقة , تجاه مجمل الأخطاء الماضية قبل وبعد انطلاق مسيرة العملية السياسية عام 2003م . فالمرجعية العليا كانت قد نصحت وأرشدت ونبّهت وحذّرت , وأفاضت على العملية السياسية وعلى القيّمين عليها بالحلول الناجعة , والإرشادات الواضحة والوصايا المهمة , تلافيا ً للأخطاء وتحرزا ً من الوقوع في الخطأ ورعاية للمصالح العليا للبلد . ولكن وعلى ما يبدو أن لا خطأ ولا خطيئة في عراق ما بعد التغيير إلا ـ السياسي .

فالأحداث المأساويّة التي جرت على العراق منذ احتلاله وتغيير نظامه , واللامُبالاة للتحذيرات والتنبيهات التي أطلقتها المرجعية العليا (سواء من قبل سلطات الإحتلال أو القوى السياسية أو قطاعات واسعة من الأمة) أفضت كنتيجة طبيعة الى ما هو أسوء , والأسوأ بات يُهدّد الدولة العراقية بالإنهيار التام , ويُهدّد الأمن بتمزيق النسيج الإجتماعي والسلم الأهلي في آن واحد .

فلا غرو أن نلمس من المرجعية العليا هنا الحرص التام لأن تقف بوجه هذا الإنحراف الجديد الذي يُنذر بالخطر , ونراها وبعد أن شخّصت السبب الكامن وراء انبثاق هذا الحدث الخطير , تُعطي الحلول المُثلى للعلاج لتحول دون تفاقم تداعياته السلبية .

ـ إبتدأ الأمر مِن حادثة اعتقال فوج حماية وزير المالية الأسبق “رافع العيساوي” في حكومة ” نوري المالكي ” حيث جاء تنفيذا ً لمُذكرات قبض ” قضائية ” بتهم تتعلق بالإرهاب والقتل والتفجير , في يوم الخميس 20 / 1 / 2012م أي قبل أسبوع من خطبة جمعة كربلاء التي وضعت المرجعية العليا فيها النقاط على الحروف .

هذا الحدث كشف عن أسباب كثيرة مهدت الأرضية الخصبة لنمو إرهابٌ من نوع آخر له أبعاد مختلفة , تناغم بسرعة فائقة مع مشاريع إقليمية ودولية , تهدف الى تفتيت وتقسيم دول منطقة ” الشرق الأوسط ” وخصوصا ً العراق . وتنطلق من إذكاء نار الخلافات الدينية والمذهبية الطائفية والعرقية بين مكونات الشعوب . وكشفت أيضا ًعن تداعيات مأساويّة راحت تكبر شيئا ً فشيئا ً ككرة الثلج المتدحرجة . وكأن الأمر يجري وفق نسق مُخطط أعدّ مُسبقا ً وأُريد أن يكون هكذا!.

فبعد أيام من تاريخ الإعتقال انطلقت موجات الإحتجاجات الشعبية ذات الصبغة الطائفية في مناطق متفرقة من بغداد العاصمة , والتي ما لبث أن اجتاحت المناطق (الغربية) من العراق ذات الأكثرية (السُنيّة) . وصُوّر الأمر من خلال وسائل الإعلام المُجيّرة لذات الهدف ,على أنه صراع بين أقلية (سُنيّة) مُضطهدة ضد أكثرية (شيعيّة) مُتسلطة حاكمة . فما كان من الأمر إلا أن تطور وتفاقم بسرعة مُذهلة الى اعتصامات مفتوحة, والى ظهور ما يُعرف بـ(ساحات الإعتصام ومنّصاتها التحريضيّة) المُمانعة للعملية السياسية والداعية الى إسقاطها بالكامل . وأدت كذلك الى بروز ظاهرة قطع الطُرق والشوارع الرابطة بين المدن والبلدات (وخصوصا ً ذات الصفة السكانية المختلطة مذهبيا ً)بما في ذلك الطرق الدولية والمنافذ الحدودية , والى صعود وتيرة العنف الطائفي ( بحق مكون معين بذاته ـ هم الشيعة ) وارتكاب جرائم قتل مروّعة بحق أبنائه جرت على الهوية . والى تنامي موجة الخطاب الديني والمذهبي الطائفي المُتشدد .

وحسبي الأحداث تتوالى تترا حتى كبُرت وتوّجت بظهور قرن الشيطان المُتمثل بالفتنة الكبيرة ” داعـش ” الذي استطاع أن يغزو فيما بعد ثلث مساحة أرض العراق في 10 / 6 / 2014م . مُنطلقا ً من الأراضي السوريّة بعد إعلانه للدولة (الدولة الإسلامية في العراق والشام)!.

ـ المرجعية العليا وفي خطبة جُمعة كربلاء في 14صفر 1434 هـ الموافق 28 /12/ 2012 م . وبإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي , كانت قد وصفت الظروف التي عصفت بالبلد نتيجة لذلك الحدث لخطورته بـ(الظروف الحساسة) . وبنفس الوقت دعت الى العمل بمجموعة مبادئ مهمة , بعد أن استشعرت خطورة تداعياتها الخطيرة , على الدولة والمواطن على حدّ سواء وهي بالنص:

ـ(1) : في الوقت الذي ندعو فيه الى تطبيق الضوابط والقوانين وتفعيل أحكام القضاء , ولكن أيضا ً ندعو الى عدم تسييس القضاء والإنتباه من التداعيات السياسية لذلك.

ـ(2) : ضرورة عمل جميع الأطراف للحفاظ على الوحدة الوطنية والنسيج الإجتماعي الموحد , وحل أي أزمة بالحوار والتفاهم وعدم ترك الأزمات تتفاقم , وبالتالي تترك أثرا ً سيئاً على البلد والمواطن)!.

https://alkafeel.net/inspiredfriday/index.php?id=88

يمكننا أن نسقرء من تلك المبادئ أمور عدة منها :

ـ أن القضاء مُسيّس !. في إشارة الى حادثة الإعتقال أعلاه والتي جاءت إنتقائية , وترك عشرات بل مئات القضايا المُشابهة لها . ومن هذا جاءت دعوة المرجعية العليا الى تطبيق القوانين وتفعيل القضاء على الجميع بلا استثناء.

ـ الإعتقال تكمن ورائه أسباب سياسية بحتة . يندرج ضمن المناكفات السياسية وصراع القوى والأحزاب حول السلطة والنفوذ .

ـ نفي لوجود أسباب مذهبية أو طائفية تكمن وراء الحدث كما يُشاع ويُراد له .

ـ أن أوامر الإعتقال بالرغم من أنها صادرة من السلطات القضائية , ألا أنها جاءت بتوجيه من جهات سياسية عليا (حكومية) في البلد .

ـ الأزمة لها تداعيات سياسية وأمنيّة خطيرة موجبة للحذر والإنتباه .

ـ تطبيق القوانين وتفعيل أحكام القضاء لا يزال مطلب ٌ مهم لتقويم الأداء الحكومي , ولتفعيل مؤسسات الدولة ولاحترام النظام السياسي (الديمقراطي)القائم على الفصل بين السلطات .

ـ الوحدة الوطنية والنسيج الإجتماعي (السلم الأهلي) مُهدّدين بالإنهيار . وفي ذات الوقت أصبح الحفاظ عليها ضرورة ملحة .

ـ بترك المشاكل والأزمات السياسية دون حل جعلها تتفاقم . والحل الأمثل أولا ً وآخرا ً لها هو التفاهم .

ـ الأزمة الحسّاسة الحالية هو أثر سيّئ , جاء نتيجة تراكم الأزمات السيئة السابقة . وأنها تُهدّد الدولة بكل مؤسساتها (البلد) , والشعب بكل مكوناته وأطيافه (المواطن)!.

ـ هذه الأزمة الحساسة شكّلت بحق المظلة الطبيعية , التي وُلد ونما بظلها وانطلق (داعـش) فيما بعد كما سنلحظ !.

يتبع..

نجاح بيعي

محرر الموقع : 2018 - 03 - 12