المُهمةُ الأعظم
    

المقدمة

قد يفهم البعضُ من المتابعين (ولهم الحق) أن كاتب هذا المقال قد (تأمرَك) بعد إن قضى أكثر من أربعة عقود في خدمة الجمهورية الإسلامية في إيران (إعلاميا)، وفي خدمة المقاومة، بينما أذمُ فيها السياسة الأمريكية ولم أمتدحها ولو بكلمة على الإطلاق (هذا أنا وهذه وثائقي). فكنتُ أحسبُ أنني على صواب من أمري وقد اخترتُ هذا السبيل لما فيه مصلحة شعبي ووطني، وقضايانا القومية في فلسطين وسورية ولبنان، ثم اليمن، بلد الحكمة والإيمان، ما يلزمني أنا العربي أن أقفَ الى جانب صنعاء الصمود والثورة وبقوّة. بقيت في موقفي هذا (نصرة الجمهورية الإسلامية) بين محتسبٍ وصابر أدفع بالضرر اللاحق بي لعقود، أتصنع التأويل لما أراه في الواقع العراقي المحطَّم وكأن الصور القاتمة جميعها من صنع الإدارة الأمريكية دون غيرها. فحكمة الحياة أن يعي الإنسان من خلال مسيرته كلَّ أشكال الخير والشر، العدو والصديق فيبني بيتَه ومستقبلَه بيده لا أن يعتمدَ على مَن تستهويهم عذاباته وتتَعاظمُ منها جروحُه. إنتهت.

إخترتُ هذا العنوانَ لمقالتي هذه "المهمة الأعظم"على أساس المسؤولية الكبرى والأخطر التي تحملَّها السيد رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني بعد تسنمه منصبه هذا في واقع خطير لما يمر به العراق من تحديات ومعوقات متراكمة جرّاء سلوكيات منحرفة وغبية كانت قد ارتكبتها الحكومات التي سبقته. فمرة تقوم هذه الحكومات وذيولُها بنهب المال العام بطريقة لم نعهدها نحن العراقيون ولم نجد مثيلا لها في تاريخ دولتنا أو في بلدان العالم، ومرة أخرى تبيع تلك حكومات الأحزاب السائبة حقوقَ الشعب من نفط وأرض وموانىء ومياه وحدود الى دول الجوار برِشى سخيفة كمثلهم كان لإيران والكويت النصيبُ الأكبر بنهب هذه الحقوق بينما بسطاء عامة الناس العراقيين نرى عيونَهم شاخصةً صوبَ قاعدةٍ واحدة عرفناها بثقافتنا المتراكمة أن الأمريكان إذا دخلوا بلادا سرقوها. فصناعة الفوضى بكل أبعادها التي بدأها أولَ مرّة الحاكم الأمريكي بريمر في العراق عام 2003 قد سارَ على نهجه جهازُ المخابرات الإيراني وجعلها وسيلة حكيمة، ناجحة لتدمير بلدنا وضياعه وهو أمرٌ قائم الى هذه الساعة، تنفذه أدواتٌ سياسية عراقية في الداخل. لقد خسرنا الكثير ومن أعظم هذه الخسائر هو غياب الصحة والأمان، وتفتيت اللحمة الإجتماعية التي نعول عليها في بناء الفرد والأسرة، ناهيك عن النهب الكبير للدولة بلا رحمة وتحويل الكثير من المليارات المنهوبة الى الجانب الإيراني بوسائل مختلفة لا حصر لها (الجرح أعمق). إن المسؤولية الكبرى التي تحمّلها السيد السوداني بعد تسنمه منصبَ رئيس مجلس الوزراء هي بمثابة حالة كفاح، ونضال، ومجابهة وسط حشود هائلة للعدو الشقيق، ما يقتضي منه الوعي والثبات والإنقلاب على من حسبوه درعا واقيا لهم، أو جسرا للعبور، والتهرب من المسؤولية لما اقترفوه من جرائم يندى لها جبينُ الإنسانية، وجبين بريمر المؤسس لهذه الظاهرة (لو العراق مازال بيد هذا الأمريكي سيُطبق قانون السرقة – ففتي ففتي- بذريعة تقديم الخدمات وإن إتسمت بالمصداقية، أما هؤلاء المحتالون والمتلبسون بدعاء كميل وصلاة الليل نهبوا كلَّ شيء ولم يُبقوا من شيء بذريعة... أموال مجهولة المالك).

إن من أهم وأنجع الوسائل للتخلص من هذا المكر الذي يحيط بالسيد السوداني هو أن يكسبَ رِضى الله والشعب بالقضاء على "أئمة" الفساد بمحاكماتٍ ثورية وسريعة تسبقها تشكيل لواء حماية جديد وبطراز آخر كي يضمن به الحفاظ على حياته وإكتمال مشواره الإصلاحي، ثم يمد يدَهُ لمن يبحث عن تحقيق مصالحة من الدول الكبرى من أجل إعادة بناء العراق بصورته الجميلة شريطة أن لا تمس هذه العلاقة بالأمن القومي لبلادنا ولجيراننا على السواء غير تجفيف وتحجيم سيطرة المتربصين بنهب ثرواتنا وإهانة شعبنا وكأننا لقمة سهلة في أفواههم.

ومن أفجع الصور وأبشعها أن نرى في بلدنا الغني المنهوب هناك بيوت عشوائية منتشرة بالآلاف في بغداد وجميع المدن، سكانها معرضون للموت أو يغرقون عندما تهب العواصف أو تهطل الأمطار الغزيرة فتُسقط سقوفَ أبنيتهم الطين على رؤوسهم في ساعات الليل أو النهار. هؤلاء الناس في قانون الدولة وفي إلتزامات الحكومة يجب منحهم وحدات سكنية جاهزة تقول بإنشائها شركات عالمية ضامنة ورصينة باتفاق مع حكومات الدول الصديقة كالصين مثلا وليست توزيع قطع أراضي كما فعل بعضُ الأغبياء في الحكومات السابقة التي صنعت الدولة الفاشلة والمجتمع المريض. لذا ننصح (تكرارا) أن لا تمنح قطعةَ أرضٍ لأي فرد عراقي غير بناء المدن في عموم العراق ويُسلَّم المواطن مفتاح الدار عملا بخطواتِ الدول المتقدمة التي نجحت في بناء أوطانها وإسعاد شعوبها. إن عملية البناء أصعب من عملية الهدم وأكثرها تعقيدا فهي بحاجة للوعي والثقافة اللذين يعتبران الوسيلة الصحيحة في تحديد وتحجيم حالة الفوضى والترهل للوصول الى قمة النجاح والكمال. وكما أسلفنا فإن مهمة القضاء على الفاسدين واسترجاع المال المنهوب وتحجيم عمل السياسيين المنحرفين بجهلهم وجشعهم وتبعيتهم ليس من السهل تحقيقها، أو هي أمر مستحيل إذا لم نجد ما يعيننا على ذلك بحكم إقامة تلك العلاقات مع تلك الدول يكون فيها تبادل المصالح المشتركة هي البوصلة والغاية بعيدا عن الخنوع والخضوع. فأمريكا لها مصالحها في العراق والصين وروسيا وفرنسا وألمانيا يمكن لحكومتنا أن تستثمر وتستفيد بحذر من هذه العلاقة الى حد أن نصون بلدنا دون المساس بمصالح جيراننا. فالواجب الوطني والرسمي يلزمان السيد السوداني وحكومته بالدفاع عن مصالح العراق وحدوده مع الجارة إيران وتركيا والكويت، أو بتصفية الحسابات مع مجرمي الداخل دون أن تتأثر الإجراءات بظرف زماني ومكاني، أو ديني وقومي ووطني مادام هناك حق مسلوب لمؤسسات الدولة والشعب. أختم مقالتي بإشارة الى قصة واقعية أدمت قلبي المُحطَّم ، موثقة تعرّفتُ عليها من داخل العراق وبالأرقام وهي تعكس عظمة المصيبة التي جنتها الحكومات التي شغلها الفرهود والجشع الغير مسبوق. ففي مدينة عراقية يعيشُ صبي دون الثامنة عشر كان قد سرق- قنينة غاز- تم حبسه والتحقيق معه فحكم عليه القاضي المختص بالسجن لمدة خمسة عشر عاما، وهناك لص إسمه (( على غلام )) نهب ثروات العراق، مما تسبب بتحطيم الإقتصاد والإنسان العراقي ولما قُبضَ عليه في مطار بغداد الأسبوع الفائت أطلقَ سراحُه بعد ساعات من إعتقاله بكل ممنونية بتأثير مباشر من الأحزاب السياسية التي تتعامل معه لتحويل المال المنهوب. أقول للسيد رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني .. يشهد الله أني أحبك وأنت مُوَقرٌ في عيون الأغلبية من شعبك، فلا تجعل نفسك * شيش عوازه * بعيون وحسابات مخابرات إيران وذيولهم في الداخل العراقي.

  قاسم محمد الكفائي/ كندا   twitter…@QasimM1958

 

محرر الموقع : 2022 - 11 - 24