على الحكومة العراقية أن تأخذ بنصيحة السيد السيستاني قبل فوات الأوان
    

الظروف الصعبة التي مر ويمر بها العراق، بعد الدمار الذي الحقه الطاغية المقبور بأهله وربوعه بسبب حروبه وسياساته الكارثية، وبعد الغزو الأمريكي له والذي زاد طين العراق بلة، وما تفرخ عنه من عصابات إرهابية تكفيرية وحشية كالقاعدة و”داعش”، لم يكن للعراق والعراقيين من ملجأ يحميهم من هول ما نزل بهم إلا الوجود المبارك للمرجع الديني الاعلى اية الله السيد علي السيستاني، الذي أثبتت السنوات الخمس عشرة الماضية بان سماحته صمام العراق.

عندما غزت أمريكا العراق عام 2003 كانت تعتقد أن الساحة خالية أمامها وبإمكانها أن تبقى في العراق الى امد طويل وان تفرض بالتالي نظاما حسب مقاييسها، يكون حارسا لمصالحها، إلا أنها اصطدمت، على حد تعبير الحاكم العسكري الأمريكي للعراق بول بريمر، بالسيد السيستاني الذي أصر على اقامة نظام جديد قائم على الانتخابات وآراء الشعب، الأمر الذي جعل أمريكا وحاكمها العسكري في العراق يتراجعان عن كل مخططاتهما.

امريكا التي انهزمت أمام المرجعية الدينية في معركة الانتخابات والنظام السياسي، جندت كل امكانياتها للانتقام لهزيمتها، فحاولت من خلال استغلال الجماعات التكفيرية وتجنيدها من اجل ضرب أمن واستقرار العراق ووحدة اراضيه ونسيجه الاجتماعي، عبر اشعال حرب اهلية طائفية في العراق، عندما قامت العصابات التكفيرية بتفجير مرقدي الإمامين العسكريين في سامراء عام 2006، وهو حدث كان خطير جدا، كاد ان يدفع بالعراق الى المجهول لولا سماحة السيد السيستاني دام ظله الذي حرم الاقتتال بين العراقيين، وأطلق مقولته الشهيرة” السنة هم أنفسنا”، فهُزم المخطط مرة اخرى.

وفي عام 2014 كان العراق امام اخطر تهديد يواجهه منذ عام 2003، وتمثل هذا الخطر بهجوم عصابة “داعش” الإرهابية انطلاقا من سوريا على المحافظات الغربية للعراق ووصولها إلى أبواب بغداد وتهديدها المقدسات الاسلامية في كربلاء المقدسة والنجف الاشرف، كل ذلك حدث أمام مسمع ومرأى أمريكا، ومرة اخرى وقف سماحة السيد السيستاني ليصد الهجمة التي هددت العراق كوجود وكشعب، فأطلق فتواه التاريخية فتوى الجهاد الكفائي، فلبت الملايين من العراقيين فتوى سماحته ، التي خرج من رحمها الحشد الشعبي المبارك، الذي هزم داعش وافشل مرة اخرى المخطط الامريكي العربي الرجعي الداعشي ضد العراق.

اليوم ونحن في عام2019 وفي شهر تشرين الاول/اكتوبر، حيث يواجه العراق خطرا داهما يتهدده كما هددته الاخطار السابقة، ويتمثل بركوب ايتام البعث والجماعات التي تحركها السفارة الامريكية والجهات التي تاتمر بالمال السعودي والخليجي جيوش من الذباب الالكتروني، موجة التظاهرات السلمية المطلبية لابناء العراق، حيث تم حرف التظاهرات التي أخذت طابعا عنفيا سقط خلال العشرات من القتلى من المتظاهرين والقوات الامنية، وتم حرق العديد من المنشات والمقرات والاماكن العامة والخاصة، وأخذت ترفع شعارات بعيدة كل البعد عن المطالب المشروعة للمتظاهرين، كالإساءة الى المراجع الدينية وزيارة الاربعين والعلاقة بين العراق ومحور المقاومة، ومرة اخرى انبرى سماحة السيد السيستاني ليقف امام دفع العراق الى نفق مظلم، عبر تقديم مبادرة تكون مدخلا مناسبا لتجاوز المحنة الراهنة، تمثلت بتشكيل لجنة من عدد من الأسماء المعروفة والمختصة، من خارج قوى السلطة، وتحظى بالصدقية والكفاءة العالية والنزاهة التامة، تُكلَّف بتحديد الخطوات المطلوبة في سبيل مكافحة الفساد وتحقيق الإصلاح المنشود، ويُسمح لأعضائها بالاطلاع على مجريات الأوضاع بصورة دقيقة، والاجتماع مع الفعاليات المؤثرة في البلاد، وفي مقدمهم ممثلى المتظاهرين في مختلف المحافظات للاستماع إلى مطالبهم ووجهات نظرهم.

هذه المبادرة كان قد أطلقها سماحة السيد السيستاني عام 2015 عندما شهدت العاصمة العراقية بغداد، تظاهرات مطلبية كالتي يشهدها اليوم العراق، لكن للأسف الشديد لم يعمل بها رئيس الوزراء حينها حيدر العبادي، الأمر الذي ضاعف من حجم الفساد وفي المقابل ضاعف من حجم الإحباط والاستياء لدى الشعب.

على حكومة السيد عادل عبد المهدي ألا تتجاهل مبادرة السيد السيستاني، فهي مبادرة وضعت أصابعها على الجرح العراقي، والعمل بها يسد الطرق على كل المتربصين بالعراق وشعبه من التكفيريين والبعثيين ومرتزقة السفارة، فهذه المبادرة لم تأت من فراغ فالمرجعية على اطلاع كامل على الواقع المعيشي الصعب، وتقف إلى جانب المطالب الشعبية المحقة، كما أنها على اطلاع كامل بامكانيات الحكومة، وعلى اطلاع أيضاً على ما يخطط ضد العراق وشعبه.

خارطة الطريق التي تقدمت بها المرجعية الدينية العليا، في حال تم الأخذ بها من قبل الحكومة والبرلمان، فإنها ستكون مدخلا واسعا لحل الأزمات التي تثقل كاهل المواطن العراقي ،وتعيد الامن والاستقرار الى العراق، وتُفشل كل مخططات الجهات المعروفة بعدائها للشعب العراقي مثل ايتام النظام البائد ورفاقهم التكفيريين، ومموليهم من الأميركيين والخليجيين.

فيروز بغدادي

محرر الموقع : 2019 - 10 - 07