حق المواطن العراقي بالإسهام المباشر في الشأن العام
    

د. علاء إبراهيم الحسيني

 

يعد المواطن اللبنة الأساسية في بناء الدولة والمجتمع وللوصول إلى دولة المواطنة الحقة لاشك إننا بحاجة إلى أن نعترف للمواطن بحق المساهمة بكل السبل الممكنة في الشأن العام سواء في إطار حقوقه السياسية التي كفلها الدستور أو حقوقه المدنية التي تعد المقدمة اللازمة لما تقدم، فحين يعترف المشرع الدستوري أو العادي للمواطنين بنحو معين من حيث العدد والتوقيت والشكل والإجراء بحق تقديم المقترحات للسلطات العامة في العراق، فهذا من شأنه أن يقيم دولة بنظام ديمقراطي حقيقي، ويعزز سيادة القانون إذ سيكون دور المواطن إيجابياً في الاشتراك بإعداد القوانين أو القرارات العامة ورسم السياسة العامة للدولة، ويجعل الخضوع طوعياً للكثير من القواعد القانونية الآمرة، ويكون المواطن شريكاً حقيقياً في إنضاج القواعد السلوكية الناظمة لشؤون المجتمع ومدافعاً عن إنفاذها، وهو بحق مرحلة متقدمة في النظام الديمقراطي الحقيقي، كما انه لن يخرجنا من نظام النظام النيابي، بل سيكون دوره تفعيل العلاقة بين النائب والناخب وجعلها في حالة من التواصل الدائم.

 وللوصول إلى هذه المرحلة نحن بحاجة إلى مجموعة من الخطوات والوسائل الضرورية الضامنة لاشتراك حقيقي للمواطن في كل مفاصل التكوين أو الإدارة الخاصة بالهيئات العامة، ورغم إن الدستور العراقي للعام 2005 لم ينص صراحة على الحق بتقديم المقترحات العامة أو الحق الشعبي بالحل للمجلس النيابي أو ما شاكل ذلك، بيد أن هنالك العديد من القواعد القانونية الدستورية التي يمكن الاستناد إليها للتوصل لما تقدم ولو بشكل جزئي أو مرحلي، فالهدف هو المواطن الإيجابي القادر على التأثير والتغيير في الشأن العام وصولاً إلى تحقيق المصلحة العامة ولا يكون ما تقدم ممكنا إلا من بعد إصلاح القوانين النافذة وإحداث انعطافه في سلوك المشرع العراقي باتجاه الإيمان المطلق بقدرة وسلطة الشعب، والتحول نحو الدور التكاملي بين الهيئات العامة والشعب، ومقدمة ذلك ترميم الثقة بين الطرفين بإعادة النظر بشكل مستعجل بالقوانين والقرارات العامة ذات الصلة، ويدعم وجهة نظرنا من إن بعض النصوص القانونية جعلت المواطن صاحب اليد الطولى في اتخاذ القرارات المصيرية.

 فتكوين السلطات العامة يبدأ من إقرار الدستور العراقي الحالي الذي صدر بطريق الاستفتاء الشعبي، حيث ورد في المادة (144) إن هذا الدستور يعد نافذا بعد موافقة الشعب عليه بالاستفتاء العام، وأفاضت المادة (5) إن السيادة للقانون والشعب مصدر السلطات وشرعيتها يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية، وما تقدم يؤشر إشراك الشعب العراقي بالسلطة بشكل مباشر عبر اختيار نصوص الدستور التي وافق عليها مسبقاً، ثم بعد ذلك سيمارس السلطة عبر المؤسسات الدستورية لتشكيل السلطات العامة بدءً من البرلمان العراقي وانتهاءً بالحكومة العراقية، تطبيقاً لما أقرت به المادة (20) من الدستور التي بينت إن (للمواطنين رجالاً ونساءً، حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق السياسية، بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشح) ويبدو إن حق التصويت يقصد به الاستفتاءات العامة والانتخاب يقصد به الانتخابات العامة أو المحلية وحق الترشح يعني التقدم لشغل أي منصب نيابي أو تمثيلي أو تنفيذي، وقد رسم المشرع بعد ذلك بعض الطرق التي تعد ترجمة لما تقدم ومنها:

1- الحق بالانتخاب: فقد بينت المادة (49) من دستور جمهورية العراق 2005 وإن مجلس النواب يتكون من عدد من الأعضاء،....، يتم انتخابهم بطريق الاقتراع العام السري المباشر، على أن تنظم بقانون شروط المرشح والناخب وكل ما يتعلق بالانتخابات، وبالفعل صدر قانون الانتخابات الخاصة بمجلس النواب رقم (45) لسنة 2013 المعدل ومارس الناخبون في ظله ممارستين انتخابيتين كما كان حظ سلفه القانون رقم (16) لسنة 2005.

2- الاستفتاء الشعبي: وهو استطلاع رأي الشعب حول موضوع ذا أهمية استثنائية أو حول القبول من عدمه بشخص معين أو قد يتعلق بإقرار قانون أو دستور وما شاكل ذلك، وفي الغالب يسهم البرلمان في الاستفتاءات إلا أن قراره ليس كافياً، ويقع الاستفتاء في أنواع فقد يكون تشريعياً (إن تعلق بإقرار قانون ما) أو دستورياً (ان تعلق بإقرار أو تعديل أو إلغاء الوثيقة الدستورية أو اختيار الهيئة التي ستعد مشروع وثيقة الدستور)، أو سياسياً (حين يتعلق بإتباع سياسة معينة أو تركها)، أو شخصياً حين (يتعلق بشخص الحاكم) ولم يخلو الدستور العراقي للعام 2005 من الإشارة المباشرة إلى الحق في الاستفتاء فقد ورد في المادة (119) ما نصه (يحق لكل محافظة أو أكثر تكوين إقليم بناءً على طلب بالاستفتاء عليه يقدم....)، والدستور العراقي نفسه قد أقر بالاستفتاء كما ورد في المادة (144) أعلاه، ولا يعدل وفق المادة (126) إلا بعد موافقة الشعب العراقي بالاستفتاء العام، وما ورد في المادة (18) من قانون الإجراءات التنفيذية الخاصة بتكوين الأقاليم (ثالثاً: تعرض مسودة الدستور –أي الدستور الخاص بالإقليم المشكل حديثاً- للاستفتاء،...، ويكون الاستفتاء ناجحاً بموافقة أغلبية المصوتين من الناخبين).

3- الاقتراح الشعبي: ويتجلى بإمكانية مجموعة من المواطنين بتقديم مقترح معين قد يكون قانون يراد تشريعه أو معاهدة يراد الانضمام إليها أو الانسحاب منها وقد يتعلق بإقرار برنامج أو سياسة حكومية محددة، ومن صوره في القوانين العراقية ما ورد في المادة (119) من الدستور العراقي لعام 2005 والذي ترجم في المادة (2) من قانون الإجراء التنفيذية الخاصة بتكوين الأقاليم رقم (13) لسنة 2008 والتي ورد فيها (يتم تكوين أي إقليم عن طريق الاستفتاء ويقدم الطلب بإحدى الطرق التالية:

أولاً: طلب مقدم من ثلث الأعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات المشكلة بموجب الدستور التي تروم تكوين الإقليم.

ثانياً: طلب مقدم من عشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات التي تروم تكوين الإقليم.

ومن الثابت انه رغم وجود البرلمان واختصاصه بالتشريع فان الشعب في بعض النظم الدستورية يبقى يملك الحق الكامل في إجراء تعديل شامل أو جزئي للدستور أو تعديل قانون معين فالاقتراح الشعبي يأخذ شكل اقتراح تشريعي أو دستوري وندلل على ما تقدم بمثال ما ورد بالدستور السويسري لعام 1999 النافذ العام 2002 في المادة (138) منه (يمكن لمائة الف مواطن يتمتعون بحق التصويت اقتراح مراجعة شاملة للدستور الاتحادي خلال (18) شهراً من تاريخ نشر مبادرتهم رسمياً، على ان يقدم هذا الاقتراح للشعب للتصويت عليه).

وعالجت المادة (139) إمكانية تقديم الشعب لاقتراح مراجعة جزئية للدستور أي تعديل بعض نصوصه ومواده إذ اشترط الدستور تقديم المقترح من مائة ألف مواطن يتمتعون بحق التصويت، بل إن الدستور الاتحادي السويسري سمح في حالة كون المبادرة الشعبية غير مصاغة بشكل مشروع أن تقدم إلى الجمعية الوطنية (البرلمان) والذي يتولى صياغتها وان كان له رأي مغاير يمكن أن يطرح على الاستفتاء رأي الجمهور ممن أقترح التعديل والاقتراح المضاد المقدم من البرلمان ومن يحظى بموافقة الشعب في الاستفتاء العام يتبع، بهذا نجد إن الشعب يمارس سلطة التشريع بشكل مباشر.

4- الاعتراض الشعبي: فللشعب وهو مالك السلطة الاعتراض على قانون شرعه ممثلوه في البرلمان بطلب موقع من عدد من الناخبين، وفي هذه الحالة يعرض القانون على البرلمان مرة أخرى للأخذ بنظر الاعتبار الاعتراض الشعبي على بنود القانون أو على فكرة القانون ككل، وقد يصار إلى عرضه على الاستفتاء الشعبي بيد أن السؤال ما مصير القانون المعترض عليه لاسيما وقد استوفى الشكلية المحددة بالدستور؟ والجواب إن الاعتراض الشعبي توقيفي إذ يتوقف نفاذ هذا القانون لحين البت بمصيره وفق ما تقدم، وبالرغم من عدم اعتناق الدستور العراقي أو القوانين الاعتيادية لهذه الطريقة إلا أن مانعا لا يحول دون النص عليه بشكل مباشر في القوانين العادية ومنها مثلاً قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم مثلاً رقم (21) لسنة 2008 المعدل.

5- الإقالة الشعبية: فالعلاقة بين الشعب والنائب المنتخب لا تنتهي بمجرد الانتخاب بل هي علاقة تمتاز بالديمومة والتأثير المتبادل ومن حق الشعب أو عدد محدد من أبناء الشعب طلب إقالة النائب كنوع من الرقابة الشعبية ثم يعرض الطلب على الاستفتاء في الدائرة التي انتخب منها أو مجموع الشعب إن كان رئيس للدولة وفي حال فشل في نيل الثقة فيعد مستقيل، وفي حال حصل العكس فيعد الإجراء تجديد لولاية جديدة وبهذا الخصوص نجد إن دستور ألمانيا المعروف بدستور فايمر 1919 أجاز عزل رئيس الجمهورية قبل انقضاء فترته الرئاسية البالغة (7) سنوات، بناءً على طلب من عدد من الناخبين وموافقة مجلس (الريخستاغ) ثم يعرض الأمر على الشعب بصيغة الاستفتاء الشعبي، ولا مانع من ان يرد نص في قانون الانتخابات العامة أو المحلية ان من حق عدد معين من الناخبين طلب التصويت بالثقة على ممثلهم المنتخب من دائرتهم وهو ما ندعو إلى ان يتم تبنيه في قانون انتخابات مجلس النواب رقم (45) لسنة 2013 المعدل وقانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية رقم (12) لسنة 2018 المعدل.

6- الحل الشعبي: فقد يمنح دستور الدولة الشعب الحق طلب حل المجلس النيابي قبل انتهاء مدة الدورة الانتخابية ويتم الحل بتقديم مجموعة من الأفراد الناخبين طلب بحل المجلس ليعرض الموضوع على الاستفتاء الشعبي، فان أقرت الأكثرية الشعبية قرار الحل يحل المجلس فوراً ويعلن عن موعد للانتخابات وقريب من هذا المعنى ما ورد في دستور مصر 2012 المعدل 2014 بالمادة (137) (لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس النواب إلا عند الضرورة، وبقرار مسبب وبعد استفتاء الشعب)، وهذا عين ما ننصح به في العراق فالمادة (64) من الدستور وضعت طريقاً شاذاً في مسألة حل مجلس النواب وهو الحل الذاتي للمجلس والذي لا نتوقع ان يحصل أمد الدهر فالنواب متمسكون بعضويتهم للمجلس لما يحصلون عليه من امتيازات يقررونها بأنفسهم مع الحرص الدائم على زيادتها كما ونوعا في كل حين، وللخروج مما تقدم يمكن ان تعدل المادة أعلاه ويتم النص على أن لمائة ألف مواطن عراقي من مختلف المحافظات العراقية، و لرئيس الجمهورية ان يطلبوا حل مجلس النواب وفي هذه الحالة ينظم استفتاء خلال (60) يوماً يتحدد من خلاله مصير المجلس.

وان ما تقدم رؤية ومقترحات ليست عزيزة على المشرع العراقي أن يتبناها وينص عليها في القوانين العراقية المختلفة للانتقال نحو نظام ديمقراطي حقيقي يجعل من الشعب مصدر السلطة وشريك في ممارستها.

 

محرر الموقع : 2019 - 01 - 10