ارتفاع أسعار الدولار يضع البنك المركزي بدائرة اتهامات السياسيين وخبراء يلقون اللوم على الفساد والمضاربة
    

ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل انخفاض قيمة العملة العراقية خلال الفترة الماضية حيث وصل لأكثر من 125 ألف دينار لكل 100 دولار، ما هو إلا آخر أوجه شبح الأزمة التي تعصف بالعراق، وكحال القضايا الخلافية كافة؛ تتراشق الجهات ذات العلاقة الاتهامات بالمسؤولية، حيث يلقي العديد من السياسيين باللوم على البنك المركزي لكن خبراء اقتصاديين يشيرون إلى أن المشكلة تتعلق بالسياسة المالية وليست النقدية، عازين ما يحدث إلى الفساد بالإضافة الى مضاربات تجار العملة. 

يطرح البنك المركزي العراقي يومياً 190 مليون دولار أميركي بسعر 118 ألفاً لكل 100 دولار في حين أن سعر المئة دولار تصل إلى 124.5 ألف دينار في الأسواق، ما يثير شكوكاً لدى البرلمانيين بشأن عدم الشفافية في تداول العملة من قبل البنك المركزي.

وفي جلسته التي عقدت برئاسة محمد الحلبوسي اليوم السبت (21 تشرين الثاني 2020)، وجه مجلس النواب سؤالاً شفهياً لمحافظ البنك المركزي العراقي، من قبل النائب فالح الساري خلال حضوره الجلسة.

رئيس اللجنة المالية النيابية هيثم الجبوري، قال لشبكة رووداو الإعلامية إن "الزيادة الحاصلة في الكتلة النقدية وقلة المعروض بمعدل 800 مليون دولار في الشهر واستغلال بعض المصارف الأهلية أدى إلى حدوث هذا الفرق في السعر"، مبيناً أن "السؤال الشفوي كان حول كيفية إعادة الأسعار إلى ما كانت عليه". 

على الرغم من أن محافظ البنك المركزي رد على السؤال البرلماني لكن البعض يهددون باتخاذ مواقف أكثر حدة إذا لم يتم تخفيض سعر الدولار خلال مدة قريبة. 

وقال مقرر اللجنة المالية، أحمد الصفار لرووداو إنه "ليست هنالك سياسة واضحة للبنك المركزي بشأن الكتلة النقدية وبيع الدولار لأن هنالك فرقاً في السعر حيث أنها تبيع الدولار بـ118 ديناراً فيما يباع في الأسواق بـ125، حيث تستفيد بعض المصارف من ذلك، وهذا أمر غير مقبول ويزعزع الحركة التجارية الخارجية للعراق".

بحسب هيئة النزاهة؛ فإن البنك المركزي طرح خلال 2019 أكثر من 45 مليار دولار لتبادل العملة والحوالات لكن بيانات اللجنة المالية تشير إلى التعامل بـ25 مليار دينار واختفاء 20 مليار دينار.

رداً على تلك الاتهامات، أكد كل من وكيل محافظ البنك المركزي العراقي الأسبق فالح داود سلمان، والخبير الاقتصادي ماجد الصوري، خلال مشاركتهما في النشرة الاقتصادية على شاشة تلفزيون رووداو والذي يقدمه محمد شيخ فاتح، عدم إمكانية تحميل البنك المركزي المسؤولية.

نبذة عن دور البنك المركزي بعد 2003

بعد عام 2003 تم تعطيل المصارف الحكومية فيما بقيت المصارف الأهلية فقط وخلال الفترة من نيسان حتى تشرين الأول من العام نفسه احتاج السوق إلى العملة الأجنبية، وكان البنك المركزي أول مؤسسة تستأنف عملها في 7 حزيران 2003، حيث أوجد المسؤولون الأميركيون بالتعاون مع البنك المركزي نافذة العملة الأجنبية للمصارف الأهلية بغية ديمومة حركة السوق لمدة سنتين لحين عودة مصرفي الرافدين والرشيد للسوق الدولية، وكان المبلغ الذي يباع يومياً من الدولار يتراوح بين 4 إلى 5 ملايين دولار لسد الحاجة الآنية، ثم أنشئ المصرف العراقي للتجارة نهاية العام، ومنح إجازة من البنك المركزي لتلبية حاجة الدوائر الحكومية والسوق المحلية وتغطية الاعتمادات الموجودة، بحسب سلمان الذي قدماً شرحاً مفصلاً لتاريخ تطور دور البنك المركزي خلال العقدين الماضيين.

وأضاف أن الهجوم على نافذة العملة الأجنبية بدأت منذ عام 2009 مع زيادة الطلب على الدولار الذي أصبح العملة الأساسية في السوق سواء تسعير الخدمات أم الرواتب وتم منح إجازات الاستيراد وفتح الكمارك دون وجود منهاج محدد.
 
في 2010 أصدر البنك المركزي تعليمات لغرض برمجة عملية بيع العملة الأجنبية ومتطلباتها، وأوضح سلمان أن المصرف العراقي الحكومي أو الأهلي هو الوسيط لنقل طلب المستورد إلى البنك المركزي لشراء الدولار على أن يتقدم بالمستندات خلال شهرين.

"طريقة غير قانونية لتغطية الخدمات"

وأشار إلى أن هذه الدولارات تغطي حاجة استيراد السلع، لكن الحاجة لا تقتصر على السلع فقط بل تشمل الخدمات لذا تتم تغطية هذه الاحتياجات بصورة غير قانونية، مبيناً أن البنك المركزي يقوم حالياً بإعطاء شركة صرافة مبلغ أسبوعي لسد حاجة المسافرين لكن هناك احتياجات خدمية أخرى وبنسبة 15 إلى 20%، وبسبب عدم كفاية حاجة السوق يتم اللجوء إلى المبالغ المخصصة للاستيراد من أجل سد هذه الاحتياجات بطرق غير قانونية، مشدداً على ضرورة دراسة إعادة المراقبة على التحويل الخارجي والتي ألغاها البنك المركزي في 2004.

وحول أسباب الزيادة الأخيرة في سعر صرف الدولار، أوضح أن أحد أركان السياسة النقدية هو الحفاظ على سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملة الأجنبية، وهذه الزيادة كانت بسبب المضاربات الناتجة عن ترويج الإشاعات المتعلقة بعدم كفاية العملة الأجنبية وشحتها في العرض تعقبها زيادة في الطلب ما يؤدي إلى زيادة في السعر "وهناك مضاربون ينتفعون من زيادة الأسعار"، إضافة إلى المناكفات بين الحكومة والبرلمان حول قانون الاقتراض.

وتجد الحكومة العراقية صعوبة في تأمين رواتب موظفيها بسبب الأزمة المالية الناجمة عن تدهور أسعار النفط وتفشي جائحة كورونا والتي ألقت بظلالها على كل مفاصل الحياة حتى باتت تهدد رواتب الموظفين، حيث لجأت الحكومة إلى اقتراض 12 ترليون دينار لتوزيع الرواتب حتى نهاية العام الحالي بموجب قانون تمويل العجز المالي من قبل البرلمان العراقي في 12 تشرين الثاني الجاري والذي حلَّ بديلاً عن موازنة 2020 حيث لم يتم التوصل لاتفاق بشأن تمرير القانون، وسط تأكيدات من رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، بمواجهة مشكلة في توفير الرواتب اعتباراً من بداية 2021.

حلول مقترحة

ومضى بالقول إن"البنك المركزي سلطة معنية بتحديد سعر بيع الدولار حيث يتم بيع الدولار من قبل المصرف إلى التاجر العراقي بـ1200 لكن نتيجة الطمع الموجود، يقوم التاجر بزيادة طلبه من الدولار وعرض الفائض من تلك المبالغ للبيع أي فتح مزاد سري لبيع الفائض وإخضاع السعر لقانون العرض والطلب"، مبيناً أن زيادة الطلب على الدولار ليس سلعي بل خدمي نتيجة زيادة الدخل والطلب والتطور الحاصل. 

البنك المركزي مسؤول عن تقديم تقارير لعملياته والرصيد الاحتياطي نهاية كل سنة، ويقول سلمان إنه "لا يعتمد إلا على أرقام البنك المركزي لأنه يقدم تلك الأرقام لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ولا يستطيع التلاعب بحساباته من رصيد احتياطي العملة الأجنبية والذهب".

ورداً على سؤال بشأن احتكار الدولار من قبل البنك المركزي وبيعه لعدد معين من المستوردين، قال وكيل محافظ البنك المركزي الأسبق إن "كلمة احتكار مصطلح واسعة لكن يمكن القول التمنع من البيع لجهة والبيع لجهة أخرى وهذا يعتمد على التفاوض أو المصالح المتبادلة بين الجهات المستفيدة والبائعة، حيث أن لأكثر شركات الصيرفة عملاء أساسيين"، داعياً إلى التقليل من حصة شركات الصيرفة وزيادة حصة البنوك وأخذ رأي البنك المركزي في القضايا الأساسية.

وبشأن الحلول المقترحة، أوصى بوضع موازنة خاصة للعملة الأجنبية، بالقول: "قبل 2003 كانت هنالك موازنة سرية خاصة بالنقد الأجنبي تخصص لكل حاجة حصة من الدولار مثل الاستيراد والخدمات والأسلحة وتسديد القروض وهي تطبق بالتوازي مع الموازنة، وكانت وزارة التجارة تعد منهاج الاستيراد السنوي، وكان الحساب عسيراً ويخضع المخالف للمحاكمة"، مبيناً: "يفترض أن تقوم الجهات المعنية مثل البنك المركزي ووزارات التخطيط والتجارة والمالية بالتنسيق معاً لوضع سياسية تضمن ذهاب العملة الأجنبية لمكانها الصحيح". 

 

 


بدوره، قال الخبير الاقتصادي ماجد الصوري إن "البنك المركزي تمكن من الحفاظ على سعر الصرف في مستوى معين وهو ما حقق أحد شروط منع حصول تضخم في الأسعار وتخفيضه إلى 1 إلى 2%.

وحول أسباب رفع سعر الدولار، أشار إلى أنه لا يوجد سوق خاص بالعملة في العراق كما هو حال في الكثير من الدول التي يتدخل البنك المركزي فيها فقط للحفاظ على الأسعار عند الحاجة كزبون بغرض شراء وبيع العملة.

وبيَّن أن وزارة المالية بحاجة للدينار من أجل تغطية نفقات الموازنة لكنها تحصل على الدولار من بيع النفط، لذا تبيع الدولار للبنك المركزي بسعر متفق عليه هو 1182 دينار، ويقوم البنك بدوره ببيعه للتجار من أجل شراء السلع بـ1190.

 

وضرب الصوري تركيا مثلاً للمقارنة مع العراق بالقول: "في تركيا العملة حرة في التبادل بين المصارف، والبنك المركزي يتدخل في حال وجود تذبذب في العملة كما أن لديها هنالك الكثير من موارد العملة الأجنبية مثل السياحة والصادرات وكذلك الحال في مصر".

الفرق بين الحوالات من الدولار وحجم الاستيراد

وعرض بعض الأرقام، قائلاً: "بحسب مصادر الدول المصدرة منذ 2003 حتى 2017 وصل إجمالي المبالغ التي بيعت من قبل البنك المركزي إلى 548.321 مليار دولار، وبلغت الحوالات 443.116 مليار دولار مخصصة للاستيراد أما النقد فهو 105.202 مليار دولار ويذهب للخدمات.

وذكر الصوري أنه وفقاً لبيانات الدول المصدرة ففي عام 2017 بلغ إجمالي الاستيراد 39.7 مليار دولار أما الحوالات فكانت 31.375 مليار دولار وهذا الفرق مع العملة المحولة يعود إلى استيرادات الحكومة بالدولار، مبيناً أن "هناك بعض التلاعب لكنه قليل جداً ويعود إلى المنافذ الحدودية والضرائب، فالمنافذ لا تفصح عن الأرقام وكميات السلع المستوردة إضافة إلى التهرب الضريبي أي الفساد الإداري والمالي وهذا يزعزع ثقة البنوك الدولية بالمصارف العراقية، إلى جانب المضاربة".

ضغوط سياسية على البنك المركزي

وتابع أن التصريحات غير المسؤولة تسببت بانخفاض سعر الدينار أكثر، مشدداً على أن البنك المركزي خاضع للرقابة من قبل جهات دولية وديوان الرقابة المالية ووزارة المالية، "وما يتم تداوله سياسياً غير واقعي لغرض الضغط على البنك المركزي لتغيير سياساته".

وقلب الصوري الطاولة على السياسيين، وبين أنهم يخلطون بين السياستين المالية والنقدية، متسائلاً: "بلغت عائدات النفط 970 مليار دولار وقيمة الموازنات وصلت إلى 1640 ترليون دينار منذ 2004، فكيف تم إنفاقها؟ البنك المركزي أنقذ العراق من الأزمات وحافظ على استقرار السوق رغم تضاعف الرواتب بنسبة 36.3% لكنه يتعرض للهجوم من السياسيين". 

ويبلغ الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي 53 إلى 55 مليار دولار بحسب تصريحات سابقة لوزير المالية العراقي، علي علاوي، 

وأوضح الوزير أنه "لتأمين الرواتب نعمل على زيادة الإيرادات من المصادر الأخرى مثل المنافذ الحدودية أو زيادة الضرائب لكن هذه الإجراءات تتم على المدى الطويل وليس بين يوم وآخر، لذا من الصعب توفير الرواتب بدون المساس باحتياطي البنك المركزي وإعادة النظر أسعار الصرف والاقتراض". 

وتكافح الحكومة لتأمين رواتب الموظفين والنفقات التشغيلية الأخرى، جراء تراجع أسعار النفط بفعل جائحة كورونا، التي شلت قطاعات واسعة من اقتصاد العالم.

ويعتمد العراق على إيرادات بيع النفط لتمويل 95 في المئة من نفقات الدولة، وخسرت البلاد نحو 11 مليار دولار منذ بداية العام الجاري، جراء تراجع أسعار النفط، وفقا لبيانات وزارة النفط العراقية.

 

محرر الموقع : 2020 - 11 - 21