آيات قرآنية من كتاب الحسين في طريقه إلى الشهادة للخطيب الهاشمي (ح 4)‎

د. فاضل حسن شريف

جاء في کتاب الحسين في طريقه إلى الشهادة للخطيب علي بن الحسين الهاشمي: أميّة هم أئمّة الكفر الذين نزل فيهم قوله تعالى: “فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ” (التوبة 12)؛ لأنّ أبا سفيان كان إمام الكفر، وقائد المشركين في وقعة بدر وأحد والأحزاب، ومعه أولاده ورهطه، وفيهم نزل قوله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً” (آل عمران 10). قال الرازي فيمَنْ يعني بالذين كفروا بعد كلام له: وقيل: هم مشركوا قريش عامّة، وقيل: بل هم أبو سفيان ورهطه خاصّة، ووجهوه بما نقل من إنفاقه المال الكثير على المشركين يوم بدر وأحد. وهم أيضاً الشجرة الملعونة في القرآن، قال تعالى: “وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَاناً كَبِيراً” (الاسراء 60). قال الفخر الرازي في تفسيره: عن سعيد بن المسيب أنّه قال: إنّ النبي صلّى الله عليه وآله رأى في منامه أنّ بني اُميّة ينزون على منبره كما تنز القردة، فساءه ذلك. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وفيه عن ابن عباس: إنّ الشجرة الملعونة هم بنو أميّة، يعني الحكم بن أبي العاص وأولاده. ومثله قال النيسابوري في تفسيره، ونظير ذلك في البيضاوي، إلاّ إنّه زاد أنّ النبي صلّى الله عليه وآله قال بعد ذلك: (هذا حظّهم في الدنيا يعطونه جزاء عن إسلامهم). وكأنّه كناية عن أنّه لاحظ لهم في الآخرة، وقريب من ذلك في الكشّاف، وأشار إلى ذلك المعتضد العباسي من منشوره حيث قال: ولا خلاف في أنّ الشجرة الملعونة هم بنو أميّة، وممّا يؤكّد هذا التأويل قول عائشة لمروان: لعن الله أباك وأنت في صلبه، فأنت بعض مَنْ لعنه الله. وعن صاحب كتاب (الهاوية)، عن ابن مسعود أنّه قال: لكلّ لشيء آفة، وآفة هذا الدين بنو أمية، حارب أبو سفيان النبي، وحرّض عليه اليهود والمشركين حتّى أسلم عام الفتح كرهاً، وبقي يكيد للإسلام سرّاً وجهراً إلى أن انتهى الأمر إلى عثمان، فقال: تلقّفوها يا بني اُميّة تلقّف الكرة، فإنّه لا جنّة ولا نار، ولا ثواب ولا عقاب. روى البيهقي والزمخشري وكثير من الرواة: أنّ أبا سفيان كان راكباً حماراً، وابنه معاوية يقوده، ويزيد يسوقه، فلمّا نظر إليهم النبي صلّى الله عليه وآله قال: (لعن الله الراكب والقائد والسائق). وكان أبو سفيان رأس بني أمية في الجاهلية، وقائد المشركين، ورأس الأحزاب.

وعن خلافة بني أمية يقول الخطيب الهاشمي في كتابه: هذه خلافة بني اُميّة ودعارتها، وهي تدّعي الخلافة على المسلمين، ويدعى لها على المنابر، تعالوا على الإسلام نبكي ونلطم. والوليد بن يزيد بن عبد الملك كان ماجناً مولعاً بشرب الخمر، فقال له هشام يوماً: ما أدري، أعلى الإسلام أنت أم لا، ما`تدع شيئاً من المنكرات إلاّ أتيته غير متحاشٍ فأجابه الوليد: يا أيّها السائلُ عن ديننا * نحنُ على دين أبي شاكرِ   نشربها صرفاً وممزوجةً * بالسخنِ أحياناً وبالفاترِ. وأبو شاكر هو مسلمة بن هشام، وكان شريباً للخمر كالوليد، ولمّا مات هشام كان الوليد بالأردن، فجاءته الرسل تهنئه بالخلافة، وحمل إليه الخاتم والقضيب، فقال غنّوا بهذه الأبيات: طابَ يومي ولذَّ شربُ السلافهْ * وأتانا نعي مَنْ بالرصافهْ   وأتانا البريدُ ينعى هشاماً * وأتانا بخاتمٍ للخلافهْ   فاصطبحنا من خمرِ عانة صرفاً * ولهونا بقنيةٍ عزّافهْ. وحلف أن لا يبرح من موضعه حتّى يغنّي في هذا الشعر ويشرب عليه، ففعلوا ذلك، ولم يزالوا يغنّون إلى الليل. وكان مدّة خلافته مدمنا للخمر واللهو، منادماً للفساق، ولم يبالِ بانتهاك الحرمات، وكان يغشى أمّهات أولاد أبيه غير مبالٍ بما نهى الله عنه في الذكر الحكيم، وقوله: “وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ” (النساء 22).

وعن يزيد يقول الخطيب علي بن الحسين الهاشمي:  قال الشبراوي: فوضع، أي رأس الحسين عليه السلام بين يدي يزيد بن معاوية، فأمر الغلام فرفع الثوب الذي كان عليه، فحين رآه غطّى وجهه بكمّه، كأنّه شمّ رائحة. وقال الحمد لله الذي كفانا المؤن بغير مؤونة “كُلّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ” (المائدة 64). قالت ديا حاضنة يزيد: دنوت من رأس الإمام الحسين عليه السلام حين شمّ يزيد منه رائحة لم تعجبه، فإذا تفوح منه رائحة من روح الجنّة كالمسك الأذفر، بل أطيب، والذي ذهب بنفسه وهو قادر أن يغفر لي لقد رأيت يزيد وهو يقرع ثناياه بقضيب في يده، ويقول: ليت أشياخي ببدر شهدوا. قال الشبراوي: وأصل هذه الأبيات لابن الزبعرى كما في الصواعق، وزاد يزيد فيها بيتين مشتملتين على الكفر. أقول: لقد أبدى يزيد في ذلك اليوم الشماتة برسول الله صلّى الله عليه وآله، وأظهر حقده الذي كان قد أوغر صدره على النبي وأبنائه، واشتفى غليله بقتل سبطه وريحانته، وأخذ ثارات عتبة بن ربيعة وشيبة أخوه والوليد بن عتبة، إذ قتلهم علي عليه السلام في واقعة بدر، ألا تراه كيف راح يتمثّل بشعر المشرك ابن الزبعرى الذي كان ممّن هجا رسول الله صلّى الله عليه وآله. قال سبط ابن الجوزي: لهذا تطرق إلى هذه الأمّة العارُ بولايته عليها حتّى قال أبو العلاء المعرّي: أرى الأيامَ تفعلُ كلّ نكرٍ * فما أنا في العجائبِ مستزيدُ   أليسَ قريشكمْ قتلت حسيناً * وكانَ على خلافتكم يزيدُ. قال سبط ابن الجوزي: قلت: ولمّا لعنه جدّي أبو الفرج على المنبر ببغداد بحضرة الإمام الناصر وأكابر العلماء قام جماعة من الجفاة من مجلسه، فقال: جدّي: “أَلاَ بُعْداً لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ” (هود 95). وحكى لي بعض أشياخنا عن ذلك اليوم أنّ جماعة سألوا جدّي عن يزيد، فقال: ما تقولون في رجل ولّى ثلاث سنين، في السنّة الأولى قتل الحسين عليه السلام، وفي الثانية أخاف المدينة وأباحها، وفي الثالثة رمى الكعبة بالمجانيق وهدمها؟ فقالوا: نلعنه.

ويستطرد الخطيب الهاشمي عن يزيد في كتابه الحسين في طريقه إلى الشهادة قائلا: أبو الفرج، عن القاضي أبي يعلى بن الفرّاء في كتابه (المعتمد) في الأصول بإسناده إلى صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قلت لأبي: إنّ قوماً ينسبونا إلى تولّي يزيد فقال: يا بُني، وهل يتولّى يزيد أحد يؤمن بالله؟ فقلت: فلِمَ لا تلعنه؟ فقال: ومتى رأيتني لعنت شيئاً؟ يا بُني، لِمَ لا نلعن مَنْ لعنه الله في كتابه؟ فقلت: وأين لعن الله يزيد في كتابه؟ فقال: في قوله تعالى فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطّعُوا أَرْحَامَكُمْ * اُولئك الّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ فَأَصَمّهُمْ وَأَعْمَى‌ أَبْصَارَهُمْ” (محمد 22-23). فهل يكون فساد أعظم من قتل الحسين عليه السلام؟ وصنّف القاضي أبو يعلى كتاباً ذكر فيه بيان مَنْ يستحق اللعن، وذكر منهم يزيد. قلت: أجمع المؤرّخون على أن يزيد بن معاوية حكم ثلاث سنين وتسعة أشهر، ففي السنّة الأولى كانت باكورة أعماله قتل ريحانة رسول الله صلّى الله عليه وآله، وقتل أصحابه الصفوة وأهل بيته البررة، والذين ما كان لهم على وجه الأرض من شبيه حينذاك، وسبى حرائر الرسالة من قطر إلى قطر. وفي السنة الثانية حارب أهل المدينة، وقتل مَنْ كان فيها من الصحابة، وأباحها لجيشه يفعل فعل الوحوش حتّى أكثر النهب والهتك والسفك.