مفهوم الطين في القرآن الكريم (ح 5)‎

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله جلت قدرته “أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ” ﴿آل عمران 49﴾ معناه: وهذه الآية أني أقدر لكم، وأصور لكم من الطين مثل صورة الطير. “فَأَنْفُخُ فِيهِ” أي: في الطير المقدر من الطين. وقال في موضع آخر: “فيها” أي: في الهيئة المقدرة “فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ” وقدرته. وقيل: بأمر الله تعالى. وإنما وصل قوله: “بِإِذْنِ اللَّهِ” بقوله: “فَيَكُونُ طَيْرًا” دون ما قبله، لأن تصور الطين على هيئة الطير، والنفخ فيه، مما يدخل تحت مقدور العباد. فأما جعل الطين طيرا حتى يكون لحما ودما، وخلق الحياة فيه، فمما لا يقدر عليه غير الله، فقال: “بِإِذْنِ اللَّهِ” ليعلم أنه من فعله تعالى، وليس بفعل عيسى. قوله عز من قائل “وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا” ﴿المائدة 110﴾ أي: واذكر ذلك أيضا إذ تصور الطين كهيئة الطير الذي تريد أي: كخلقته وصورته، وسماه خلقا لأنه كان يقدره. وقوله: “بإذني” أي: تفعل ذلك بإذني وأمري “فتنفخ فيها” أي تنفخ فيها الروح، لان الروح جسم يجوز أن ينفخه المسيح بأمر الله. “فتكون طيرا بإذني” والطير: يؤنث ويذكر، فمن أنث فعلى الجمع، ومن ذكر فعلى اللفظ. وواحد الطير: طائر، فيكون مثل ظاعن وظعن، وراكب وركب. وبين بقوله: “فيكون طيرا بإذني” أنه إذا نفخ المسيح فيها الروح قلبها الله لحما ودما، ويخلق فيها الحياة، فصارت طائرا بإذن الله أي: بأمره وإرادته، لا بفعل المسيح. قوله عز وعلا “وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ” ﴿القصص 38﴾ “وقال فرعون” منكرا لما أتى به موسى من آيات الله لما أعياه الجواب وعجز عن محاجته “يا أيها الملأ” يريد أشراف قومه “ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين” أي فأجج النار على الطين واتخذ الآجر وقيل أنه أول من اتخذ الآجر وبنى به عن قتادة “فاجعل لي صرحا” أي قصرا وبناء عاليا “لعلي أطلع إلى إله موسى” أي أصعد إليه وأشرف عليه وأقف على حاله وهذا تلبيس من فرعون وإيهام على العوام أن الذي يدعو إليه موسى يجري مجراه في الحاجة إلى المكان والجهة “وإني لأظنه من الكاذبين” في ادعائه إلها غيري.

قوله تعالى “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ” ﴿الأنعام 2﴾ يعني به آدم. والمعنى أنشأ أباكم، واخترعه من طين، وأنتم من ذريته، فلما كان آدم أصلنا، ونحن من نسله، جاز أن يقول لنا “خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ”. قوله سبحانه “قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ” ﴿الأعراف 12﴾ ثم حكى سبحانه خطابه لإبليس، حين امتنع من السجود لآدم، بقوله “قال” أي: قال الله تعالى “ما منعك أن لا تسجد” أي: ما دعاك إلى أن لا تسجد، وما اضطرك إليه، أو ما منعك أن تسجد “إذ أمرتك” بالسجود لآدم “قال” إبليس: “أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين” ﴿الأعراف 12﴾، وهذا الجواب غير مطابق، لأنه كان يجب أن يقول: منعني كذا، لأن قوله “أنا خير منه” جواب لمن يقول: أيكما خير؟ ولكن فيه معنى الجواب، ويجري ذلك مجرى أن يقول القائل لغيره: كيف كنت؟ فيقول: أنا صالح. وكان يجب أن يقول: كنت صالحا، لكنه جاز ذلك لأنه أفاد أنه صالح في الحال، مع أنه كان صالحا فيما مضى. قال ابن عباس: (أول من قاس إبليس فأخطأ القياس، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله بإبليس). وقال ابن سيرين: (أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس). ووجه دخول الشبهة على إبليس أنه ظن أن النار إذا كانت أشرف من الطين، لم يجز أن يسجد الأشرف للأدون، وهذا خطأ لأن ذلك تابع لما يعلم الله سبحانه من مصالح العباد. وقد قيل أيضا: إن الطين خير من النار، لأنه أكثر منافع للخلق من حيث إن الأرض مستقر الخلق، وفيها معايشهم، ومنها يخرج أنواع أرزاقهم، والخيرية إنما يراد بها كثرة المنافع، دون كثرة الثواب، لأن الثواب لا يكون إلا للمكلف المأمور، دون الجماد. قوله جل جلاله “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ” ﴿السجدة 7﴾  أي ابتدأ خلق آدم الذي هو أول البشر من طين كان ترابا ثم صار طينا ثم صلصالا ثم حيوانا “ثم جعل نسله” أي نسل الإنسان الذي هو آدم يعني ولده “من سلالة” وهي الصفوة التي تنسل من غيرها ويسمى ماء الرجل سلالة لانسلاله من صلبه “من ماء مهين” أي ضعيف عن قتادة وقيل حقير مهان أشار إلى أنه من شيء حقير لا قيمة له وإنما يصير ذا قيمة بالعلم والعمل.

جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل جلاله “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا” ﴿الإسراء 61﴾ قال في المجمع،: قال الزجاج: طينا منصوب على الحال بمعنى أنك أنشأته في حال كونه من طين، ويجوز أن يكون تقديره من طين فحذف “من” فوصل الفعل، ومثله قوله: “أن تسترضعوا أولادكم” أي لأولادكم وقيل: إنه منصوب على التميز. انتهى. وجوز في الكشاف، كونه حالا من الموصول لا من المفعول “خلقت” كما قاله الزجاج، وقيل: إن الحالية على أي حال خلاف الظاهر لكون”طينا” جامدا. وفي الآية تذكير آخر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بقصة إبليس وما جرى بينه وبين الله سبحانه من المحاورة عند ما عصى أمر السجدة ليتثبت فيما أخبره الله من حال الناس أنهم لم يزالوا على الاستهانة بأمر الله والاستكبار عن الحق وعدم الاعتناء بآيات الله ولن يزالوا على ذلك فليذكر قصة إبليس وما عقد عليه أن يحتنك ذرية آدم وسلطه الله يومئذ على من أطاعه من بني آدم واتبع دعوته ودعوة خيله ورجله ولم يستثن في عقده إلا عباده المخلصين. فالمعنى: واذكر إذ قال ربك للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس فكأنه قيل: فما ذا صنع؟ أو فما ذا قال؟ إذ لم يسجد؟ فقيل: إنه أنكر الأمر بالسجدة وقال أ أسجد والاستفهام للإنكار لمن خلقته من طين وقد خلقتني من نار وهي أشرف من الطين. وفي القصة اختصار بحذف بعض فقراتها، والوجه فيه أن السياق اقتضى ذلك فإن الغرض بيان العلل والعوامل المقتضية لاستمرار بني آدم على الظلم والفسوق فقد ذكر أولا أن الأولين منهم لم يؤمنوا بالآيات المقترحة والآخرون بانون على الاقتداء بهم ثم ذكره صلى الله عليه وآله وسلم أن هناك من الفتن ما سيفتنون به ثم ذكره بما قصه عليه من قصة آدم وإبليس وفيها عقد إبليس أن يغوي ذرية آدم وسؤاله أن يسلطه الله عليهم وإجابته تعالى إياه على ذلك في الغاوين فليس بمستبعد أن يميل أكثر الناس إلى سبيل الضلال وينكبوا على الظلم والطغيان والإعراض عن آيات الله وقد أحاطت بهم الفتنة الإلهية من جانب والشيطان بخيله ورجله من جانب. قوله عز وعلا “وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ” ﴿القصص 38﴾ المراد بالإيقاد على الطين تأجيج النار عليه لصنعة الأجر المستعمل في الأبنية، والصرح البناء العالي المكشوف من صرح الشيء إذا ظهر ففي الجملة أمر باتخاذ الأجر وبناء قصر عال منه.

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ” ﴿الأنعام 2﴾ أي خلق أصلكم، وهو آدم، وآدم من تراب وماء، أو خلق مادة كل فرد من البشر من طين، لأنه من لحم ودم، وهما من النبات ولحم الحيوان المتولد من النبات، والنبات من الطين. قوله سبحانه “قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ” ﴿الأعراف 12﴾ وما فعل إبليس فعلة إلا ابتدع لها مبررا، والشرط الأساسي لكل مبرر في منطقه أن يخالف إرادة اللَّه ومرضاته، هذا هو الأصل الأول الذي يعتمده إبليس في جميع أقواله وأفعاله.. يجتهد الفقيه في البحث ليهتدي إلى ما شرع اللَّه من أحكام، أما إبليس فيشرع أحكاما ترتكز على قال اللَّه. وأقول. أمره اللَّه بالسجود لآدم فرفض ولم يعتذر، بل اعترض بجرأة وصلافة، وقال: كيف اسجد لمن أنا خير منه؟ وكأنه يقول للَّه تعالى علوا كبيرا: كان الأولى ان تأمر آدم بالسجود لي، دون أن تأمرني بالسجود له.. وابتدع مبررا لهذه الأولية، وهو افتخاره بخلقه، وتعصبه لأصله: “خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ”. فالعزة والكرامة في منطق إبليس بالتعصب للأصل، لا بتقوى اللَّه وطاعته، وعند اللَّه بالفعل والتقوى، لا بالأصل، والعلم عند إبليس هو القياس والأهواء، وعند اللَّه هو الوحي وحكم العقل الذي لا يختلف فيه اثنان لبداهته ووضوحه. فمن تعصب لأصله، أو قاس الدين برأيه فقد اقتدى بإبليس، من حيث يريد أو لا يريد، قال صاحب تفسير المنار: روي عن جعفر الصادق عن أبيه عن جده ان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: أول من قال قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال اللَّه تعالى له: اسجد لآدم، فقال: أنا خير منه الخ. ثم قال جعفر: فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه اللَّه تعالى يوم القيامة إبليس. قوله جل جلاله “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ” ﴿السجدة 7﴾ المراد بالإنسان هنا أبو البشر آدم.

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جلت قدرته “أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ” ﴿آل عمران 49﴾ إنّ قضية إحياء الموتى التدريجي بإذن الله ليست عويصة، لأنّنا نعلم أنّ جميع الكائنات الحيّة مخلوقة من التراب والماء، إلاَّ أنّ المعجزة في أن هذا الخلق الذي تحقّق على إمتداد سنوات طويلة. فما الذي يمنع من أن يكثّف الله تلك العوامل والأسباب بحيث تتمّ مراحل الخلق بسرعة فائقة، ويتحوّل الطين إلى كائن حي؟ بديهيّ أنّ تحقّق هذا الأمر في ذلك المحيط، وفي أي محيط آخر، سند حيّ ودليل واضح على علاقة صاحب المعجزة بعالم ما وراء الطبيعة، وعلى قدرة الله اللامتناهية. قوله جل جلاله “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا” ﴿الإسراء 61﴾ سيطر الكبر والغرور على إِبليس وتحكّمت الأنانية في عقله، ظناً مِنهُ بأنَّ التراب والطين اللذان يعتبران مصدراً لكل الخيرات وَمنبعاً للحياة أقل شأناً وأهمية عن النّار، لذا اعترض على الخالق جلَّ وَعلا وَقال: ” قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًاً”. قوله عز وعلا “وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ” ﴿القصص 38﴾ هذا المقطع يعالج مسألة صنع فرعون البرج أو بنائه الصرح المعروف للبرهنة على وهمية دعوة موسى عليه السلام. ونعرف أن من سنن الساسة القدماء في أعمالهم أنّه كلما وقعت حادثة مهمّة على خلاف رغباتهم وميولهم (ومن أجل التمويه وايهام الناس) يبادرون إلى خلق جو جديد ليلفتوا أنظار الناس إليه، وليصرفوهم عن تلك الحادثة المطلوبة.  ويبدو أنّ بناء (الصرح العظيم) حدث بعد ما جرى لموسى من مواجهته السحرة ما جرى لم لَمْ يذكر فرعون اسم الآجر، واكتفى بالقول: “فأوقد لي يا هامان على الطين”؟ قال بعضهم: هذا دليل على أن الآجر لم يكن متداولا حتى ذلك الحين، وإنّما ابتكره الفراعنة من بعد. في حين أن بعضهم يرى أن هذا التعبير أو هذا البيان فيه نوع من التكبر وموافق لسنّة الجبابرة. وقال بعضهم: إنّ كلمة (آجر) ليست فصيحة، لذلك لم يستعملها القرآن، وإنّما استعمل هذا التعبير المتقدم على لسان فرعون. هنا ناقش جماعة من المفسّرين كالفخر الرازي والآلوسي مسألة (الصرح)، وهل بنى فرعون (الصرح) حقّاً أم لا ؟ ويبدو أن الذي شغل فكر المفسّرين هو أن هذا العمل لم يكن متزّناً بأيّ وجه وأي حساب. ترى. ألم يكن الناس قد صعدوا الجبال من قبل فرأوا منظر السماء كما هو على الأرض؟. وهل البرج الذي يبنيه البشر أكثر ارتفاعاً من الجبل؟. وأي أحمق يصدق أنّه يمكن الوصول إلى السماء بواسطة مثل هذا البرج؟ ولكن أُولئك الذين يفكرون مثل هذا التفكير غفلوا عن هذه المسألة، وهي أن مصر لم تكن أرضاً جبلية، وبعد هذا كلّه نسوا أنّ الطبقة العامّة لأهل مصر بسطاء ويخدعون بشتى الوسائل. حتى في عصرنا الذي يسمى عصر العلم وعصر النور، نجد مسائل تشبه ما وقع في العصور الماضية ينخدع بها الناس. وعلى كل حال، فطبقاً لما ورد في بعض التواريخ، فإنّ هامان أمر بأرض واسعة ليبنى عليها الصرح أو البرج، وهيّأ خمسين ألف رجل من العمال والمهندسين لهذا العمل المضني، وآلاف العمال لتهيئة الوسائل اللازمة لهذا البناء، وفتح أبواب الخزائن وصرف أموالا طائلة في هذا السبيل، واشغل عمالا كثيرين في هذا البناء.. حتى أنّه ما من مكان إلاّ وتسمع فيه أصوات هذا البناء أو أصداؤه.