حزن المسلمين مع الألمان على الضحايا يقهر الإرهاب
    

بعد الهجوم على أحد أسواق عيد الميلاد في برلين، استعد المسلمون في ألمانيا للجولة التالية من تلقي الإدانات والاتهامات. فمن المعروف أن عمليات إدانة المسلمين واتهامهم تبدأ على قدم وساق حتى قبل اتضاح ملابسات مثل هذه الهجمات، مثلما ترى دنيا رمضان في تعليقها التالي لموقع قنطرة.

في مساء يوم الإثنين 19 / 12 / 2016 كأن لدينا جميعاً شيءٌ مشترك. وكانت تدور في رؤوسنا نفس الأسئلة الساخنة: هل هو هجوم إرهابي؟ والجاني هل هو لاجئ؟ مسلم؟ وبالتالي هل هو عمل إرهابي إسلاموي؟

ومن ثم انتهت اللحظة المشتركة القصيرة. وذلك لأنَّ الطريقة التي نتعامل بها مع هذه القضايا، تجعلنا مختلفين بعضنا عن بعض. وفي حين كان البعض لا يزالون منشغلين بأمل ألاَّ يكون هذا العمل هجومًا إسلامويًا، فقد كان الآخرون قد سمحوا لأنفسهم منذ وقت طويل الإجابة على هذه الأسئلة.

والمسلمون على وجه الخصوص هنا في ألمانيا بدؤوا يستعدُّون داخليًا لجولة قادمة من عمليَّات الإدانة وتوجيه الاتِّهامات. ومع ذلك لم يكن من الواضح حتى ذلك إن كان لهذا العمل خلفية إسلامية، ولا حتى إن كان الجاني لاجئًا في ألمانيا. ولكن حزب البديل من أجل ألمانيا AfD وكذلك الحزب المسيحي الاجتماعي CSU يُحمِّلان  المسؤولية ببساطة وبصورة وقائية لسياسة المستشارة ميركل الخاصة باللاجئين. فكيف يستطيع بعض الناس الاعتقاد بشكل جاد بأنَّ للإرهاب منظومة، وصورة محدَّدة لا تنطبق إلاَّ على فئات معيَّنة من المجرمين؟ وكيف يستطيع الناس الحديث بشكل جاد عن ’هؤلاء‘ اللاجئين أو ’هؤلاء‘ المسلمين؟

جرائم بدافع الكراهية

مساء التاسع عشر من كانون الأوَّل/ديسمبر 2016 يظهر أنَّ للإرهاب أكثر من ستار. ففي أنقرة: مسلحٌ يقتل السفير الروسي. والدافع؟ على الأرجح الكراهية. وفي زيوريخ: مسلحٌ يطلق النار في مصلى للمسلمين، ويصيب ثلاثة رجال بجروح خطيرة. والدافع؟ على الأرجح الكراهية. وفي برلين: شاحنة تقتحم أحد أسواق عيد الميلاد، مما أسفر عن سقوط اثني عشر قتيلاً وإصابة الكثيرين. والدافع؟ على الأرجح الكراهية.

وكيف يرُدُّ الكثير من الناس على هذه الأحداث؟ بالكراهية. وسواء بسبب كراهية الأجانب أو التعصُّب أو كراهية الناس. أَليس هذا غير معقول؟ أَليس هذا مرض تام؟

الإرهاب يريد قبل كلِّ شيء: نشر الخوف والرعب. وانقسام المجتمع، وزرع بذور الكراهية. ولكن الهجمات الإرهابية لن تقدِّم أية إجابات على الأسئلة المعقَّدة. بل ستصبح دائمًا هجمات إرهابية فظيعة وعبثية وغدَّارة. ولن تفسِّر أبدًا تعقيداتنا نحن البشر.

 

مسجد في ألمانيا. Foto: dpa
صورة عدائية للإسلام: "في هذا البلد (ألمانيا) أصبح الآن الكثيرون من الناس يشعرون بالخوف من أن يتم اعتبارهم كأشخاص ليسوا هم ولا يريدون أن يكونوا مثلهم أبدًا. لاجئون يقولون إنَّ المرء لا ينظر إليهم باعتبارهم بشرًا، بل مشاغبين مثيرين للاضطرابات والمتاعب. ومسلمات يخفن من أن يخرجن إلى الشارع بالحجاب أو أن يتم شتمهن في المترو أمام أطفالهن"، مثلما تكتب دنيا رمضان.

عندما أقدم في صيف 2016 في مدينة ميونيخ شخصٌ مسلحٌ على إطلاق النار عشوائيًا على المدنيين العُزَّل، تبادرت على الفور فكرة أنَّ هذا قد يكون هجومًا إسلامويًا. وعندما أصبح من المعروف أنَّ هذا الجاني كان من أصل إيراني، باتت المسألة واضحة بالنسبة للكثيرين. إيران؟ دولة إسلامية. إذًا فالأمر كان واضحًا. ولذلك يجب عليكم يا أعزاءنا المسلمين: أن تُدينوا هذا الهجوم بشكل خاص، فعلى أية حال الجاني هو أخوكم في الدين ويعمل باسم الإسلام.

إنَّ بعض الناس يسمعون فقط جنسية أو دين الجاني، وهكذا تبدأ عمليَّات الإدانية وتوجيه الاتِّهامات للمسلمين. لأنَّ هؤلاء الناس وجدوا إجاباتهم منذ وقت طويل.

غير أنَّ هذه الجريمة كانت خلفيَّتها يمينية متطرِّفة. فقد كان الجاني معجبًا بهتلر والمجرم النرويجي المتطرِّف أندرس بريفيك، وكان يصف نفسه بأنَّه من الجنس الآري. وكان إيرانيًا ويمينيًا متطرِّفًا - وهذا يفوق طاقة استيعاب الكثيرين. لقد قتل تسعة أشخاص، كان معظمهم من أصول مهاجرة. فالإرهاب له عدة وجوه. والإرهاب لا يقدِّم إجابات. الإرهاب يجعل حياتنا اليومية تفقد توازنها. ولكن يتعيَّن علينا أن نحمي هذه الحياة اليومية. إذ لا يجوز لأي إرهابي متطرِّف ولا لأي شعبوي شامت أن ينجح في تسميم تعايشنا.

الخوف من الاشتباه العام

عندما يقرأ المرء مئات من التغريدات في موقع تويتر أو التعليقات الألمانية في فيسبوك، يصادف دائمًا الآراء نفسها: حيث يشتم البعض أنغيلا ميركل واللاجئين والمسلمين، بينما يحذِّر الآخرون من التعميم والانقسام والتحريض. وتوجد بالإضافة إلى ذلك الأصوات القلقة على مستقبلها في ألمانيا.

في هذا البلد (ألمانيا) أصبح الآن الكثيرون من الناس يشعرون بالخوف من أن يتم اعتبارهم كأشخاص ليسوا هم ولا يريدون أن يكونوا مثلهم أبدًا. لاجئون يقولون إنَّ المرء لا ينظر إليهم باعتبارهم بشرًا، بل مشاغبين مثيرين للاضطرابات والمتاعب. ومسلمات يخفن من أن يخرجن إلى الشارع بالحجاب أو أن يتم شتمهن في المترو أمام أطفالهن.

ومع ذلك فهم أيضًا يشعرون بالحزن والغضب والخوف. وتوجد لديهم الرغبة الفورية للصراخ: "لا علاقة لنا بذلك". وهذا لسبب بسيط، وهو أنَّ معظم المسلمين لا علاقة لهم في الحقيقة بذلك. ففي حين أنَّ الكثيرين من المسلمين في هذا البلد يشعرون منذ عدة عقود بأنَّهم "مع الألمان" في وطنهم ألمانيا، باتت الأكثرية تطالبهم فجأة بالذوبان والنأي بأنفسهم عن الارهابيين. ومع ذلك من الواضح للأغلبية منذ وقت طويل: أنَّ الجميع يعملون من أجل الفرد والفرد يعمل من أجل الجميع. فلماذا يحتاج مجتمع الأكثرية إلى التأكيد؟

ومن بين الأسئلة والمخاوف يبقى هناك قبل كلِّ شيء شعورٌ مهمَل لا يؤخذ بعين الاعتبار: شعورٌ صادق بالحزن. حزن على أشخاص فقدوا قبل عيد الميلاد بفترة قصيرة أفرادًا من عائلتهم أو أصدقاءهم أو شركاءهم. وحزن على أشخاص كانوا يريدون ببساطة فقط قضاء بضع ساعات جميلة بعد نهاية دوامهم، قبل أن يذهبوا في اليوم التالي إلى العمل. وإذا تشاركنا الحزن على الضحايا، فسيكون الإرهاب قد خسر بالفعل. لماذا لم يعد لدى أي أحد وقت للوقوف والتروي؟ يجب علينا أن نتشارك الحزن.

 

دنيا رمضان

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2016

 

محرر الموقع : 2016 - 12 - 27
التعليقات لا تعبر بالضرورة عن رأي ادارة الموقع
نهيب بقراء صفحتنا الالتزام بادب الحوار والرد والابتعاد عن استخدام الالفاظ والكلمات التي من شأنها الاساءة الى الاخرين وبخلافه سيتم حذف العبارة.